ما جرى في جلسات مناقشة موازنة حكومة الرئيس نواف سلام عام 2026 يؤكد مرة جديدة الخلل البنيوي في الحياة السياسية اللبنانية. كالعادة رست المعادلة على غياب معارضة فعلية تحاسب، وغياب سلطة تتحمل مسؤولية قراراتها كاملة. وهكذا شهدنا طوال ثلاثة أيام انتقاداً للموازنة لأنها ضعيفة، بلا رؤية إصلاحية، وبعقلية قديمة، وفي الختام شهدنا إقراراً وتصديقاً وثقة ممنوحة ليس لاقتناع بما ورد في أرقامها وإنما لأنها “الوحيدة الممكنة” ولتفادي الفراغ. وبين النقد والموافقة، يتواصل إفراغ العمل البرلماني من مضمونه، وتبقى المالية العامة أسيرة التوازنات السائدة منذ عقدين ونيف.
موازنات بلا رؤية
هكذا، تستمر الحلقة المفرغة: حكومات “وفاق وطني” تُنتج موازنات بلا رؤية، ومجلس نواب يناقشها بخطاب انتخابي، ثم يقرّها من دون تعديلات جوهرية. لا شيء تغيّر، سوى ازدياد الفجوة بين الخطاب والواقع. أما المواطن، فيبقى خارج كل هذه الحسابات، يدفع ثمن الضرائب والسياسات نفسها.
فجلسات مناقشة الموازنة العامة شكّلت مرة جديدة مرآة لبنية النظام السياسي اللبناني وآلية عمل مؤسساته. فمن يتابع النقاشات داخل مجلس النواب يكتشف سريعًا أن المشكلة لا تكمن في أرقام الموازنة وبنودها فحسب، بل تتعداها إلى السياق السياسي والمؤسساتي الذي تُنتج فيه، وفي الطريقة التي يتعامل بها النظام مع واحدة من أهم أدوات الحكم والرقابة البرلمانية.
ومعروف أنه في الأنظمة البرلمانية المستقرة، تُشكّل الموازنة لحظة سياسية مركزية: الحكومة تعرض برنامجها المالي، والبرلمان يناقشه، يوافق عليه أو يرفضه، وقد يُسْقِط الحكومة إذا اعتُبر هذا البرنامج غير قابل للاستمرار. أما في الحالة اللبنانية، فقد جُرّدت الموازنة من وظيفتها وأهداف دراستها في لجنة المال والموازنة البرلمانية ومن ثم عرضها على ممثلي الشعب. فهي لا تُناقش على أساس برنامج مالي يعكس توجّهًا اقتصاديًا للدولة، بل استحقاق إلزامي يُمرَّر تحت ضغط الوقت والتوازنات. عند هذه النقطة، يفقد النقاش معناه السياسي، ويصبح القرار نتاج تسويات سابقة لا تُصاغ داخل الهيئة العامة.
هذا الواقع يفسّر التناقض بين الخطاب والتصويت. غالبية القوى السياسية التي انتقدت الموازنة شاركت في إعدادها داخل الحكومة، ثم عادت لتهاجمها تحت قبة البرلمان، لا بل حتى صوتت ضدها مع العلم أن وزراءهم مشاركون في الحكومة وفاعلين، قبل أن تنال الثقة في نهاية المطاف. هنا، لا يمكن فصل السلوك البرلماني عن طبيعة النظام القائم على التوافق. فالأحزاب، حتى عندما تختلف في الخطاب، تلتقي عند لحظة القرار، وإن وفق خريطة توزيع أدوار، لأن الخروج عن الإجماع الحكومي يعني كسر التسوية التي يقوم عليها النظام برمّته.
المعارضة وظيفة خطابية
من هذا المنظار، تتحوّل المعارضة إلى وظيفة خطابية أكثر منها موقع سياسي. فالكتل المشاركة في السلطة تمارس نقدًا مضبوط الإيقاع، يعبّر عن تمايز إعلامي وانتخابي، من دون أن يترجم إلى موقف مؤسساتي حاسم، كالإنسحاب من الحكومة مثلا. أما الكتل الخارجة عن السلطة، فتعترض من موقع العجز عن التأثير، فتُسجّل مواقفها من دون القدرة على فرض تعديل أو تغيير في المسار العام.
يتكرّس هذا الخلل أيضًا في طبيعة النقاش نفسه. فبدل أن تنصبّ المداخلات على الخيارات الاقتصادية الكبرى، من إدارة الدين العام، إلى السياسة الضريبية، إلى أولويات الإنفاق والاستثمار، تتحوّل الجلسات إلى ساحة لتبادل الشعارات السياسية والدستورية. في مداخلات النواب، تكررت العناوين نفسها التي سمعها اللبنانيون في جلسات مناقشة الحكومة ومساءلتها. بعضهم ركّز على البعد الدستوري، وخصوصاً مسألة قطع الحساب، معتبراً أن إقرار الموازنة من دونه يشكل مخالفة واضحة. مواقف معروفة، تُطرح كل سنة تقريباً، لكنها لا تغيّر مسار الأمور، ولا تمنع إقرار الموازنة في نهاية المطاف. آخرون تحدثوا عن “العقلية القديمة” التي تُدار بها الموازنة، وعن غياب أي رؤية إصلاحية أو اقتصادية شاملة، وكأن هذه الملاحظات وليدة اليوم، لا بعد سنوات من السياسات نفسها.
إلا أن النقاش خرج من الإطار المالي إلى قلب الأزمة السياسية البنيوية. ملف السلاح وحديث الشيخ نعيم قاسم “الإيراني” كان نجم المشاورات أيضاً، باعتباره عائقاً أساسياً أمام أي إصلاح أو استقرار اقتصادي. بالنسبة لهؤلاء، لا معنى لموازنة ولا لإصلاح مالي طالما أن قرار السلم والحرب خارج الدولة. في المقابل، رد آخرون بالحديث عن التماسك الوطني، ورفض تحويل النقاش المالي إلى صراع سياسي شامل. وبين هذين الخطين، ضاعت الموازنة نفسها، وغابت النقاشات التفصيلية حول الأولويات، والاستثمارات، والسياسات الضريبية، وإدارة الدين العام. في هذا السياق، اكتسبت طريقة إدارة الجلسة دلالة خاصة. بدا رئيس مجلس النواب نبيه بري مختلفاً عن المعتاد، و”قمع” نواب الوفاء للمقاومة على دفعات، كما لم يحمل المطرقة بيد من حديد كما جرت العادة، حتى أنه تقبل بعض الانتقادات والتلميحات “الخبيثة” بصدر رحب.
النقاش النيابي شكلي
اللافت أن النقاش النيابي بات، في كثير من الأحيان، شكلياً. النواب يعرفون أن الموازنة ستمر، ويعرفون أن قرارات كتلهم محسومة، ومع ذلك يستمرون في تقديم مداخلات طويلة، تعيد استحضار القضايا نفسها، من دون ترجمة سياسية واضحة. لا انسحاب من الحكومة، ولا تصويت ضد الموازنة، ولا خطوات عملية تعكس جدية الاعتراض. فقط تسجيل مواقف، ورفع عتب، وتحضير مبكر للمعركة الانتخابية.
في المحصلة، التصويت في نهاية الجلسات جاء ليؤكّد هذا العجز. فالموازنة اجتازت امتحان الثقة بأغلبية ضعيفة، رغم كل الاعتراضات المسجّلة. لم تسقط الحكومة، ولم تُفرض تعديلات جوهرية، ولم تتبدّل الخيارات الاقتصادية. هنا، يفقد التصويت معناه السياسي، ويتحوّل إلى إجراء شكلي يكرّس ما تقرّر سلفًا في غرف التسويات.



