منتدى دافوس: العالَم يغرق ولبنان يتبجح بشائعة “إعادة الودائع”

تواصل مئات الشخصيات السياسية والاقتصادية والنقدية والبيئية عقد اجتماعات دورية بهدف “تحسين وضع العالم”. وستمتدّ الاجتماعات حتى يوم السبت 20 كانون الثاني، تحت راية المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يقام في منتدى دافوس في سويسرا. وينطلق المجتمعون من أن المتغيِّرات الدولية على أكثر من صعيد، تعزّز تجزئة العالم وتزيد توتّراته السياسية وترفع مستويات التلوّث المناخي، وتنعكس سلباً على أسواق العمل والإنتاج والاستثمارات. الأمر الذي يفاقم أزمات البطالة والفقر.. وغير ذلك.

ولأنّهم يرغبون في فرملة التداعيات السلبية، يجتمع نحو 52 رئيس دولة وحكومة، 56 وزيراً للمالية، 10 محافظين للبنوك المركزية، 30 وزيراً للتجارة و35 وزيراً للخارجية، إلى جانب أعضاء الوفود الذين يحضرون ذلك المؤتمر الدولي السنوي، الذي انطلق في العام 1971 ويُعرَف أيضاً باسم “منتدى دافوس”.

وفيما يناقش الحاضرون بين 16 و20 كانون الثاني، أزمة العالم انطلاقاً من شعار المنتدى لهذا العام، وهو “التعاون في عالم مجزَّأ”، يحمل لبنان معه إلى دافوس، قلقه من اتّساع رقعة الحرب الإسرائيلية على الجنوب اللبناني. ولذلك، يسعى إلى التِماس مساعٍ دولية للضغط على إسرائيل لوقف الحرب على قطاع غزة وجنوب لبنان. وأيضاً يقدِّم لقادة الدول بادرة إيجابية تخصّ الأزمة الاقتصادية، وتتعلّق بملف إعادة الودائع، مع آمال بالخروج من الأزمة.

قلق دولي حيال السياسة والاقتصاد

بعد نحو شهر، تدخل الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني. هي حرب تُجسِّد الصراع الجيوسياسي بين دول كبرى تحاول تعزيز قدراتها السياسية والاقتصادية وبسط نفوذها في مساحات جغرافية أوسع. ووسط محاولتها تلك، تزداد حدّة الصراع في الشرق الأوسط، سيّما بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، وما أفرزه من انقسام دولي تميل فيه كفّة دعم الدول الكبرى لصالح إسرائيل.

ويستحوذ اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على مساحة كبيرة من اهتمامات القادة السياسيين والاقتصاديين في منتدى دافوس. فقد أظهر مسح أجراه المنتدى لآراء خبراء اقتصاديين، بشأن آفاق الاقتصاد العالمي، أن 46 بالمئة من الخبراء يتوقعون نمواً معتدلاً لاقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العام الجاري. وفي المقابل، يتوقع 35 بالمئة منهم نمواً ضعيفاً. ويتوقّع 15 بالمئة نمواً قوياً، و4 بالمئة يتوقّعون نمواً شديد الضعف. وعموماً، يُجمع الخبراء على أن الآفاق الإقليمية ما زال يخيم عليها ضعف الطلب على النفط والانكماش الحاد في قطاع السياحة.

وبدمج التحديات التي تولّدها الصراعات، مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية، يجد المجتمعون في دافوس أنّ العالم أمام أزمة لا يمكن التغافل عنها. فإلى جانب الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين ومَن خلفهما، يواجه نحو 5 مليارات شخص على مستوى العالم، الفقر والتضخّم والحروب وتغيّرات المناخ.

وقد لا تستطيع جميع الدول التعامل مع المتغيِّرات وانعكاساتها على المستويات المحلية والدولية، بالوتيرة نفسها. فمن المتوقّع أن يتراجع نمو الاقتصاد العالمي، وسيسجّل “رقماً قياسياً معاكساً في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي في النصف الأول من هذا العام”، وفق ما يؤكّده البنك الدولي الذي يعتبر أن “التوترات الجيوسياسية المتزايدة في المستقبل القريب قد تخلق تهديدات جديدة للاقتصاد العالمي”. وانطلاقاً من ذلك، يحاول المجتمعون في دافوس إيجاد توازن بين تحقيق النمو وتنفيذ أهداف الابتكار والشمول والاستدامة والمرونة. إذ أن معظم البلدان تواصل النمو بطرق محدودة وغير مستدامة وغير شاملة، ما يوسِّع احتمالات تأثّرها سلباً بالتوتّرات الدولية.

شعبوية إعادة الودائع

الاقتصاد الهشّ والنموّ بطرق محدودة وغير مستدامة، صفات تنطبق على لبنان في الوقت الراهن، وإن شهد الوضع المأزوم بعض التباطؤ في سرعة الانحدار، أو الاستقرار بسعر صرف الدولار مقابل الليرة، أو اتجاه مصرف لبنان نحو توحيد أسعار الدولار واعتماد منصة بلومبيرغ لتداول الدولار. فالمطلوب أبعد من ذلك، وينطلق من إجراء الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد الدولي. أما التأخير في تنفيذ الإصلاحات “فسيؤدي إلى تفاقم الخسائرعلى صعيد رأس المال البشري والاجتماعي ويجعل التعافي أطول أمداً وأكثر تكلفة”، وهو ما أكّده المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، جان كريستوف كاريه، في أيار 2023.

لكن لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، موقف مطمئِن، يلتقي ببعض جوانبه مع ما خلص إليه البنك الدولي في تقريره الصادر في كانون الأول 2023. إذ اعتبر البنك أن مصرف لبنان “شرع بإجراء إصلاحات محدودة ولكنها مشجّعة، وسط استقرار نسبي في سعر الصرف”. إلاّ أن ميقاتي وسَّعَ دائرة اطمئنانه ليعتبر في حديث تلفزيوني على هامش منتدى دافوس، أنه “في السنتين الماضيتين استطعنا أن نوقف الانهيار وبدأنا بمرحلة الانتعاش والصعود”. ولكن بالنسبة للبنك الدولي، “لا يزال يتعيّن على لبنان إدخال تغييرات جوهرية على الرقابة المصرفية وإدارة السياسات النقدية وسياسات سعر الصرف من جانب المصرف المركزي. ولا يزال استمرار غياب تسوية منصفة للقطاع المصرفي تشتمل على توزيع مسبق للخسائر، وعمليات الإنقاذ وإعادة الهيكلة، يُقوّض آفاق التعافي”.

اتجاه البنك الدولي نحو إصلاح القطاع المصرفي واسترداد الودائع، وَجَدَ ما يُليِّن جموده بكلام ميقاتي عن “دراسة الحكومة لمشروع قانون يتعلّق باسترداد الودائع، والأفضلية لصغار المودعين، أي من تقل قيمة ودائعهم عن 100 ألف دولار”. لكن هل فعلاً يمكن إعادة الودائع؟

المستقبل المجهول

لم تُحَلّ أزمة الودائع مع إغلاق حسابات الكثير من المودعين، عبر إعطائهم أموالهم بطرق ملتوية وبتعاميم امتصّت القيمة الفعلية للودائع. وما زال في رأس قائمة الإصلاحات الضرورية، إعادة هيكلة المصارف وردّ الودائع لأصحابها، وهو ما لم تحسمه الحكومة ومجلس النواب. “وليس أمام الحكومة الحالية أي فرصة لإنهاء هذا الملف بشكل حاسم، نظراً للظروف السياسية الراهنة ولأنها حكومة تصريف أعمال”، وفق ما تؤكّده مصادر متابعة لملف المودعين. وفي حديث لـ”المدن” ترى المصادر أن قرار المصرف المركزي الأخير المتعلّق بالإفراج عن بعض الدولارات عبر تعديل صيغة التعميم 151 “محاولة من حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري فِعل شيء إيجابي، وسط عجز السلطة السياسية عن تحريك الجمود في هذا الملف. لكن تبقى خطوة منصوري محصورة بمفاعيل التعميم الذي يحتاج إلى تجديد بشكل دوري، على عكس القوانين التي تشكِّل من الناحية التشريعية ضمانة أكبر للمودعين”. (راجع المدن).

وتذهب المصادر بعيداً في تعليقها على قدرة الحكومة على إعادة الودائع، وتقول بأنه “حتّى لو أعدّت الحكومة مشروع قانون يتعلّق بإعادة الودائع، وفق الصيغة التي يطرحها ميقاتي، فإن المشروع سيعلق في مجلس النواب”.
الحديث عن إعادة الودائع بعد انقضاء 4 سنوات على بدء استنزافها، هو ترقيع للأزمة وكلام شعبوي “وما يُمكِن أن يُعاد منها وفق الصيغة المطروحة حول إعادة الودائع تحت الـ100 ألف دولار، سيكون بصورة مبتورة ومجحفة”.
وفي حال أُنجِزِت المراحل القانونية لإعادة تلك الودائع، تتساءل المصادر عن قدرة المصرف المركزي والمصارف على تأمين الأموال “إذ جلّ ما يمكن تأمينه من احتياطي إلزامي وسيولة لدى المصارف، هو بحدود 12 مليار دولار”. لا تتفاءل المصادر حول ما إذا كان لدى الحكومة ومجلس النواب والمصارف نية في اعتماد طرق قانونية فعّالة لتأمين سيولة تساهم في إعادة الودائع “علماً أن هناك القانون 44/2015 المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والذي يمكن عبره تجميد الحسابات المشكوك بها، والتدقيق فيها”. واللافت للنظر أنه بموجب هذا القانون، يمكن ملاحقة الكثير من الأفراد والمؤسسات ذات النفوذ، بتهم الرشوة والاختلاس وإساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع”.

تجزم المصادر أن الحكومة “وصلت إلى أقصى ما يمكنها فعله في ملف الودائع، وهناك مرحلة مستقبلية مجهولة، الواضح فيها أنه لا يمكن المسّ بالمصارف وإلاّ ستختفي الودائع”. أما المؤتمرات والمنتديات الدولية، فلا يمكنها تقديم ما يحلّ الأزمة سوى الدعوة للتمسّك بتنفيذ الإصلاحات.

 

مصدرالمدن - خضر حسان
المادة السابقةمبنى تاتش الى الواجهة.. السجن لصاحبه!
المقالة القادمةميقاتي والقوانين الإصلاحيّة الموعودة: بيع الوهم للمودعين