الرئيسية اقتصاد لبنان من اقتطاع 100 غرام إلى 75 ألف ليرة: كيف تغيّرت ربطة الخبز؟

من اقتطاع 100 غرام إلى 75 ألف ليرة: كيف تغيّرت ربطة الخبز؟

قصة تقلص ربطة الخبز بدأت باقتطاع 100 غرام من الربطة في 2019. من بعدها بدأت الأزمة النقدية والمصرفية، ولم يعد هناك وحدة واضحة عنوانها «ربطة الخبز»، إذ ارتفع سعرها، وتقلّص وزنها، وانهارت الأجور، ثمّ سلّف قرض البنك الدولي السلطة السياسية سنتين إضافيتين من الدعم. اليوم، عاد سعر الربطة إلى 75 ألف ليرة، فيما يشتري الحد الأدنى للأجور كمية خبز أقل بنحو الثلث مما كان يشتريه قبل الأزمة النقدية والمصرفية.

نهاية حزيران الماضي، احتفلت وزارة الاقتصاد بتراجع سعر ربطة الخبز 5 آلاف ليرة على خلفية تراجع أسعار المحروقات، لتصبح 70 الفاً، ولكن لم تعمّر هذه أكثر من ثلاثة أسابيع. أول من أمس، استعادت الربطة الخمسة آلاف ليرة، بعدما ارتفعت كلفة تشغيل الأفران والنقل، فعادت سعرها إلى 75 ألف ليرة.

في الأسابيع الثلاثة، لم يتغيّر سعر صرف الدولار فعلياً، وبقي قريباً من 89,500 ليرة، وما تغيّر هو سعر المازوت المستخدم في تشغيل الأفران. لذلك، قالت وزارة الاقتصاد إن «تعديل السعر ضروري لضمان استمرارية إنتاج الخبز»، وإنها ستعود إلى خفضه متى انخفضت الكلفة.

في كانون الأول 2019، بقي سعر الربطة 1500 ليرة. ظاهرياً، لم يحدث شيء. لكن وزنها انخفض من ألف غرام إلى 900 غرام

بهذه السرعة، تنعكس كلفة المحروقات في سعر الخبز. ولكن على الجهة المقابلة، الأجر لا يتحرك بالسرعة نفسها. وهذه هي خلاصة قصة ربطة الخبز منذ 2019: عناصر إنتاجها، أو مكوناتها، لحقت بالدولار واحداً تلو الآخر، فيما لا يتطور دخل المستهلك بالسرعة ذاتها.

مع ذلك، لا تكفي مقارنة سعر 1500 ليرة لكلّ ربطة خبز في 2019 بسعر الـ75 ألفاً اليوم. فالربطة نفسها تغيّرت. قبل 6 سنوت كان وزنها كيلوغراماً، ثم صار 900 غرام، وبعدها تنقّل بين أوزان متعددة وصولاً إلى ما بين 800 و850 غراماً اليوم. وعلى الرغم من ارتفاع سعر الخبز، إلا أنّ الكمية التي يشتريها المستهلك بالسعر نفسه انخفضت أيضاً.

البداية لم تكن برفع السعر
في كانون الأول 2019، بقي سعر الربطة 1500 ليرة. ظاهرياً، لم يحدث شيء. لكن وزنها انخفض من ألف غرام إلى 900 غرام. يومها، كان عدد من الأفران قد بدأ فعلاً بتطبيق خفض وزن ربطة الخبز قبل أشهر، ثم أعلنت نقاباتها تحويله إلى أمر واقع، ولو أدى ذلك إلى محاضر ضبط أو إضراب. هكذا، لم تبدأ زيادة سعر الخبز بتغيير في الرقم المعلّق على باب الفرن، بل باقتطاع 100 غرام من داخل الكيس.

اقتصادياً، كان ذلك يعادل زيادة تتجاوز 11% في سعر الكيلوغرام، لم ينعكس في السعر الذي بقي ثابتاً بشكل اسمي، لأن المستهلك يدفع المبلغ نفسه ويحصل على ربطة أصغر من قبل. منذ تلك اللحظة، لم يعد الوزن مجرد مواصفة تقنية، بل صار جزءاً من آلية التسعير.

في أيار 2020، عادت الربطة مؤقتاً إلى وزن ألف غرام بسعر 1500 ليرة. لكن استعادة الوزن لم تعمّر طويلاً. بعد أقل من شهرين، صار سعر الـ900 غرام ألفي ليرة. ومع تسارع انهيار سعر الصرف في 2021، بدأت وزارة الاقتصاد بتعديل السعر والوزن معاً.

ارتفع سعر الربطة من 2250 ليرة لوزن 900 غرام في كانون الثاني 2021 إلى 3000 ليرة لوزن 960 غراماً في آذار. وبعد أيام، خُفّض السعر إلى 2500 ليرة، لكن الوزن انخفض بدوره إلى 905 غرامات. وفي تشرين الثاني من السنة نفسها، بلغ السعر ثمانية آلاف ليرة، فيما لم يتجاوز الوزن 830 غراماً.

عملياً، لم تعد هناك وحدة ثابتة اسمها «ربطة خبز». صار بالإمكان رفع السعر، أو خفض الوزن، أو فعل الأمرين معاً. أما عدد الأرغفة، فلم يكن معياراً رسمياً أساساً. ما تضبطه القرارات هو الوزن الإجمالي، بصرف النظر عن سماكة الرغيف وعدد الأرغفة داخل الكيس.

غير أن تبدّل الربطة لم يكن المشكلة الأكبر. ففي الوقت الذي تحرك فيه سعر الخبز مع الدولار، بقي الحد الأدنى للأجور ثابتاً عند 675 ألف ليرة.

حين أصبح الأجر يساوي 56 كيلوغراماً من الخبز
في مطلع 2019، كانت قيمة الحد الأدنى للأجور تساوي 675 ألف ليرة، أي يشتري 450 دولار، بحسب سعر الصرف وقتها. هذا المبلغ كان قادراً على شراء 450 ربطة خبز، وزن كلّ منها كيلوغرام. أي إن الأجر الأدنى للأجور كان يعادل 450 كيلوغراماً من الخبز.

بعد ثلاث سنوات، تغيرت المعادلة بالكامل. في آذار 2022، حدّدت وزارة الاقتصاد سعر الربطة المتوسطة، زنة 825 غراماً، بعشرة آلاف ليرة. وكان الحد الأدنى للأجور لا يزال 675 ألف ليرة.

صار الأجر، نتيجة ذلك، يشتري 67.5 ربطة فقط، أو أقل من 56 كيلوغراماً من الخبز. وبذلك، خسرت القدرة الشرائية للحد الأدنى تجاه الخبز نحو 88% من قيمتها مقارنة بعام 2019.

لم تكن ربطة الخبز، في ذلك الوقت، غالية بالدولار، إذ كان سعرها يعادل نحو 43 سنتاً، في مقابل دولار واحد قبل الأزمة. لكن انخفاض سعرها بالدولار لم ينعكس تحسناً اقتصادياً، لأن الحد الأدنى للأجر نفسه انهار من نحو 450 دولاراً إلى أقل من 30 دولاراً.

تطور سعر ربطة الخبز في لبنان من عام 2019 حتى 2026 (تصميم محمد المعلم)تطور سعر ربطة الخبز في لبنان من عام 2019 حتى 2026 (تصميم محمد المعلم)

إلا أنّ الدعم الحكومي كان يحول دون انتقال كامل كلفة القمح إلى الربطة، لكنه لم يكن يحمي الأجر من الانهيار. لذلك، يبدو سعر الخبز رخيصاً عند تحويله إلى الدولار، فيما يصبح غالياً جداً لمن يتقاضى دخله بالليرة.

ويشار هنا إلى أنّ زيادات الأجور بعد وقوع الخسارة. فارتفع الحد الأدنى إلى مليوني ليرة في أيار 2022، ثم إلى تسعة ملايين في نيسان 2023، و18 مليوناً في نيسان 2024، وصولاً إلى 28 مليون ليرة ابتداءً من آب 2025.

لكن بالتوازي مع هذه الزيادات، كان سعر الربطة يواصل صعوده: 17 ألف ليرة في تشرين الأول 2022، ثم نحو 40 ألفاً في آذار 2023، و45 ألفاً في نهاية السنة. فالأجور كانت تطارد الأسعار بعد ارتفاعها، بينما كان الدعم يؤخّر فقط انتقال المركّب المتعلق بالقمح إلى جدول التسعير.

قرض لشراء الوقت
لم يكن «دعم الخبز» بنداً واحداً يمكن إلغاؤه بقرار واحد. يدخل في كلفة إنتاجه القمح والسكر والمازوت والطاقة والنقل. رُفع دعم السكر والمحروقات في عام 2021، فيما استمر توفير القمح المدعوم لصناعة الخبز العربي الأبيض.

وعندما تراجعت قدرة مصرف لبنان على تمويل استيراده، انتقل الدعم إلى قرض البنك الدولي. في أيار 2022، وافق البنك على إقراض لبنان 150 مليون دولار لتمويل استيراد القمح والمحافظة على توافر الخبز. ووصلت أول شحنة ممولة من المشروع، وقدرها 33 ألف طن، في شباط 2023، بما يعادل نحو شهر من الاستهلاك.

اشترى القرض وقتاً. أمّن القمح ومنع انقطاع الخبز، وأخّر انتقال كامل سعره العالمي إلى المستهلك. لكنه لم يغيّر بنية القطاع: بقي لبنان يستورد القسم الأكبر من حاجته، وبقي أمن الرغيف مرتبطاً بتوافر الدولار والشحن والتمويل الخارجي.

في مطلع 2019، كانت قيمة الحد الأدنى للأجور تساوي 675 ألف ليرة، أي يشتري 450 دولار، بحسب سعر الصرف وقتها. هذا المبلغ كان قادراً على شراء 450 ربطة خبز

كان المشروع، منذ البداية، تدبيراً طارئاً لا سياسة زراعية أو غذائية مستدامة. لذلك، عندما اقترب التمويل من نهايته في 2024، بدأت مرحلة الخروج التدريجي من الدعم.

في أيلول 2024، انتقل سعر الربطة من 55 ألف ليرة لوزن 800 غرام إلى 65 ألفاً لوزن 840 غراماً. ارتفع المبلغ الذي يدفعه المستهلك 18%، لكن رفع الوزن خفّض الزيادة الفعلية في سعر الكيلو إلى نحو 12.6%.

انتهى دعم القمح عملياً في أواخر أيلول 2024، فيما أُقفل مشروع البنك الدولي إدارياً في 31 تشرين الأول. إلا أن انتهاء الدعم لم يعنِ تحرير الخبز بالكامل. بقيت وزارة الاقتصاد تحدد السعر والوزن، لكن من دون أن تموّل الدولة الفارق بين الكلفة والسعر. وهكذا انتقل النظام من دعم السلعة إلى إدارة سعرها: الدولة لا تدفع، بل تقرر متى وكيف تُنقل الكلفة إلى المستهلك.

بعد الدعم: المحروقات تقود التسعيرة
بعد تثبيت سعر الصرف بشكل غير رسمي عند 89,500 ليرة لكل دولار، تراجعت التقلبات النقدية التي كانت تبرّر تغيير تسعيرة الخبز أسبوعياً. لكن استقرار الدولار ينعكس على سعر الربطة، لأن أسعار مكونات الخبز الأخرى بقيت تتحرك، وفي مقدمها المحروقات.

في كانون الثاني 2025، حُدد سعر الربطة المتوسطة عند 65 ألف ليرة لوزن 835 غراماً. وفي آذار 2026، ارتفع السعر إلى 70 ألفاً نتيجة ارتفاع المازوت. ثم خُفّض الوزن في أحد القرارات إلى 800 غرام، قبل أن يرتفع السعر مجدداً إلى 75 ألفاً.

وعندما تراجعت أسعار المحروقات في نهاية حزيران، خُفض السعر إلى 70 ألفاً. وبعد ثلاثة أسابيع فقط، أعادت الوزارة رفعه إلى 75 ألفاً. إذاً سعر الربطة يتحرك مع المازوت، ارتفاعاً وانخفاضاً، فيما بقي الحد الأدنى للأجور عند 28 مليون ليرة.

تقول وزارة الاقتصاد والتجارة في بياناتها أنّها تعتمد آلية تسعير تعكس الكلفة الفعلية. لكن البيانات المرافقة للقرارات تذكر عناوين الكلفة، من قمح وطاقة ونقل وأجور، من دون نشر جدول تفصيلي يتيح معرفة حصة كل عنصر وهوامش الفرن والموزع.

إلى ذلك، لا يدفع الجمهور كلّها التسعيرة نفسها. ففي أيلول 2024، كان السعر الرسمي للربطة 65 ألف ليرة في الفرن، و77 ألفاً في المتاجر. بمعنى آخر، أضاف التوزيع نحو 18.5% إلى السعر. ومن لا يستطيع الوصول إلى الفرن، أو لا يوجد فرن قريب من مكان إقامته، يدفع كلفة إضافية للحصول على السلعة نفسها.

الكيلو لحق بالدولار… والأجر على حاله
عند النظر إلى سعر الربطة وحده، لا يظهر أثر انهيار سعر الصرف على الزيادة، إذ تبدو أقل من انهيار الليرة. فقد ارتفع السعر من 1500 إلى 75 ألف ليرة، أي 50 ضعفاً، فيما ارتفع الدولار نحو 59.4 ضعفاً.

لكن الربطة خسرت ما بين 15% و20% من وزنها. وبعد احتساب هذا الانخفاض، يتبين أن سعر كيلو الخبز ارتفع بين 58.8 و62.5 ضعفاً. أي إنه تحرك بالوتيرة نفسها تقريباً التي تحرك بها الدولار.

بالدولار، يبلغ سعر الربطة اليوم نحو 84 سنتاً، في مقابل دولار واحد في 2019. إلا أن سعر الكيلوغرام يتراوح بين 99 سنتاً و1.05 دولار، أي إنه استعاد كامل قيمته بالدولار، وربما تجاوزها قليلاً.

في الجهة المقابلة، ارتفع الحد الأدنى للأجور 41.5 ضعفاً فقط. وتبلغ قيمته الحالية نحو 313 دولاراً، في مقابل نحو 448 دولاراً قبل الأزمة، وهذا من دون احتساب نسبة التضخم. الربطة استعادت قيمتها بالدولار بعد احتساب الوزن، لكن الأجر لا يزال أقل بنحو 30%.

لذلك، يشتري الحد الأدنى اليوم نحو 373 ربطة، في مقابل 450 ربطة في 2019. وبسبب تقلص الوزن، لا تتجاوز الكمية من 299 إلى 317 كيلوغراماً من الخبز، مقابل 450 كيلوغراماً سابقاً. أي إن الحد الأدنى للأجور لا يزال يشتري كمية أقل بنحو الثلث.

هذه هي قصة الربطة منذ 2019. لم ترتفع من 1500 إلى 75 ألف ليرة فحسب. بدأت باقتطاع مئة غرام، ثم تحولت إلى وحدة متحركة الوزن والسعر. الخبز متوافر نعم، لكن ضمان توافره لم يعد يعني ضمان القدرة على شرائه. فالربطة لحقت بالدولار، فيما بقي الأجر خلف الاثنين.

مصدرجريدة الأخبار
المادة السابقةروابط القطاع العام تطالب الحكومة بتنفيذ التزاماتها
المقالة القادمةمن خمس شابات الى 34 سائقة… كيف تحولت فكرة “B -TAKKi” الى تجربة نسائيّة تستقطب اهتمام الفتيات؟