بين أعلام دافوس واجتماعاته المكثفة، لم يبرز ملف غرينلاند كقضية جغرافية هامشية، بل كعامل يهدد أحد أعمق وأمتن الروابط الاقتصادية في العالم. فتصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء عبر السعي لضم غرينلاند أو من خلال التلويح بفرض تعريفات جمركية على دول أوروبية، دفع الأسواق وصناع القرار إلى إعادة النظر في العلاقة التي جعلت من أوروبا الشريك التجاري الأكبر والحليف المالي الأهم للولايات المتحدة.
وتشير قراءة تحليلية لصحيفة وول ستريت جورنال إلى أن تداعيات هذا التصعيد قد تمتد من خطوط الإنتاج في المصانع الأميركية إلى أسواق المال العالمية، في حال تحوّل التوتر السياسي إلى مواجهة تجارية مفتوحة. ووفق الصحيفة، فإن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% اعتباراً من شباط/فبراير على الدانمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، مع رفعها إلى 25% في حزيران/يونيو المقبل في حال عدم التوصل إلى صفقة بشأن غرينلاند، أدخل التحالف عبر الأطلسي في واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ عقود.
ويرى اقتصاديون أن تبادل الرسوم قد لا يدفع الاقتصاد الأميركي مباشرة إلى ركود، لكنه كفيل بإبطاء النمو والضغط على قطاع صناعي يعاني أساساً من تباطؤ، إضافة إلى رفع أسعار السلع والخدمات في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة جاهدة إلى إعادة التضخم إلى مستويات مريحة. ويكتسب هذا القلق وزناً إضافياً في ظل التشابك العميق بين الاقتصادين الأميركي والأوروبي، إذ تُعد أوروبا أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة وأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر فيها. ففي عام 2024، بلغت الاستثمارات الأوروبية المباشرة في أميركا نحو 3.6 تريليونات دولار، مقابل استثمارات أميركية في أوروبا قاربت 3.97 تريليونات دولار.
ويؤكد فيليب لاك، مدير برنامج الاقتصاد في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن العلاقات التجارية بين الجانبين لا مثيل لعمقها، مشيراً إلى أن عائدات الشركات الأميركية من أوروبا تموّل توسعات حيوية، لا سيما في مجالات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تحذّر ماري لوفلي من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي من أن تدهور العلاقات قد يؤدي إلى تراجع مبيعات الشركات الأميركية في أوروبا، ما يضغط على أرباحها ويفتح المجال أمام منافسين من دول أخرى، معتبرة أن العلاقات التجارية الجديدة، ما إن تتشكّل، يصبح من الصعب تفكيكها أو استبدالها.
ولا يقتصر القلق على التجارة السلعية فحسب، إذ يخشى محللون من أن يدفع التصعيد مستثمرين أوروبيين إلى تقليص حيازاتهم من الأسهم والسندات الأميركية، وهو ما قد يضعف الدولار ويرفع كلفة الاقتراض داخل الولايات المتحدة، بما ينعكس سلباً على الاستثمار والاستهلاك. وتوضح الصحيفة أن الرسوم المقترحة ستطال سلعاً أوروبية مرتفعة القيمة، من العطور والأجبان والنبيذ الفرنسي إلى السيارات الألمانية، إلا أن الأثر الأوسع قد يظهر في قطاع الخدمات، حيث تواصل الصادرات الأميركية نمواً سريعاً.
ويُعد الاتحاد الأوروبي أكبر وجهة لخدمات الولايات المتحدة، التي بلغت قيمتها نحو 294.7 مليار دولار في عام 2024، وتشمل الخدمات المالية والقانونية والتأمين، إضافة إلى الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية التي تقدمها كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية. وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة “سنوفليك”، سريدهار راماسوامي، من دافوس، إن كل شركة تقنية ناجحة تحقق جزءاً كبيراً من إيراداتها من أوروبا الغربية، محذّراً من أن أي قيود تنظيمية أو جمركية سيكون لها أثر بالغ الأهمية.
في المقابل، يدرس قادة أوروبيون خيارات رد مدروسة، تتراوح بين تعليق التصديق على اتفاقيات تجارية وفرض رسوم انتقامية تستهدف منتجات أميركية ذات رمزية سياسية واضحة، مثل المشروبات الكحولية أو الدراجات النارية أو بعض السلع الزراعية. ويحذّر اقتصاديون من أن بلوغ الرسوم مستوى 25%، فوق الرسوم الحالية التي تتراوح بين 10% و15% في بعض القطاعات، قد يؤدي عملياً إلى توقف التجارة الثنائية في فئات كاملة، حتى من دون رد أوروبي مباشر.
وتشير دراسة لمعهد كيل للاقتصاد العالمي، نقلتها وول ستريت جورنال، إلى أن الشركات والمستهلكين الأميركيين تحمّلوا نحو 96% من كلفة الرسوم في عامي 2024 و2025، مقابل 4% فقط تحمّلها المصدرون الأجانب. ورغم ذلك، لم تشهد الولايات المتحدة قفزة تضخمية كبيرة، وسجّل اقتصادها أقوى نمو له خلال عامين، إلا أن نقاط الضعف لا تزال قائمة، خصوصاً في قطاع التصنيع الذي يعتمد بدرجة كبيرة على آلات ومكوّنات أوروبية.
وتبرز مناطق صناعية بعينها، مثل سبارتنبرغ في كارولاينا الجنوبية حيث يعمل مصنع تابع لشركة “بي إم دبليو” يوظف نحو 12 ألف عامل ويدعم عشرات الآلاف من الوظائف، كأحد أكثر الأمثلة عرضة لتداعيات أي تصعيد تجاري أو رسوم انتقامية. وعلى مستوى الأسواق، يمتلك المستثمرون الأوروبيون نحو 8 تريليونات دولار من الأسهم والسندات الأميركية، أي ما يقارب ضعف حيازات بقية العالم مجتمعة، وفق تقديرات دويتشه بنك، ما يجعل أي اهتزاز في الثقة ذا أثر واسع.
ورغم هذه المخاوف، تُظهر التجربة أن سيناريو “بيع أميركا” غالباً ما يكون مبالغاً فيه، إذ واصل المستثمرون الأجانب الإقبال على الأصول الأميركية العام الماضي، وسجّل مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” ثالث عام متتالٍ من المكاسب القوية. ويرى بعض مديري الاستثمار أن الأسواق باتت أكثر اعتياداً على ضجيج إعلانات الرسوم، معتبرين أن حدّتها غالباً ما تُحتوى في نهاية المطاف.
غير أن السيناريو الأخطر يبقى في حال لجأ الاتحاد الأوروبي إلى استخدام أداة “مكافحة الإكراه”، التي قد تستهدف الخدمات والاستثمارات الأميركية عبر تشديد التنظيم أو الضرائب. وعندها، ستتأثر قطاعات حساسة مثل الأدوية والتكنولوجيا، حيث تسجّل شركات أميركية جزءاً كبيراً من أرباحها وملكيتها الفكرية في دول أوروبية منخفضة الضرائب. وفي هذا الإطار، يحذّر خبراء من أن أي استهداف مباشر لتلك الأنشطة سيؤدي إلى أرباح عالمية أقل، وتقييمات أضعف للأسهم، وقدرة أدنى على الاستثمار في مجالات مستقبلية كبرى، وفي مقدّمها الذكاء الاصطناعي.
في المحصلة، لا يبدو الخلاف المتصاعد مع أوروبا مجرد نزاع تجاري عابر، بل اختباراً فعلياً لكلفة استخدام النفوذ الاقتصادي الأميركي في مواجهة أقرب الحلفاء، فيما تواصل الأسواق موازنة الاعتياد على الضجيج السياسي مع الخشية من تحوّله إلى واقع يصعب احتواؤه.



