الرئيسية اقتصاد لبنان موازنةٌ.. بأيةِ حالٍ عُدتِ يا موازنة

موازنةٌ.. بأيةِ حالٍ عُدتِ يا موازنة

استلهاماً من قصيدة أبي الطيِّب المتنبّي ومن دون السعي إلى إجراء مقارنات بين العصور لا تجدي ولا تنفع، يدفعني القول لمناسبة عرض مشروع موازنة عام 2027 الآتي: «موازنةٌ بأيَةِ حالٍ عُدت يا موازنةُ، بما مضى أم بأمرٍ فيكِ تجديدُ؟». من باب تقويمي عام، وقبل بَتّ مجلس الوزراء خلال جلساته المتتالية بالمشروع، وتعديل ما يرتئي تعديله أو حذفه، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات والاستنتاجات المبدئية.

يُسجَّل لهذا المشروع بدايةً، أنّه كسابقه، أي مشروع موازنة سنة 2026، قد يُقيَّد بالمهل الدستورية والقانونية، ولا سيما تلك الملحوظة في قانون المحاسبة العمومية. إذ يتعيَّن على وزير المالية أن يقدِّم مشروع الموازنة إلى مجلس الوزراء قبل أول أيلول، مشفوعاً بتقرير يحلِّل فيه الاعتمادات المطلوبة، والفروقات الهامة بين أرقام المشروع وبين أرقام موازنة السنة الجارية. ويبقى متوجّباً أن يُقرّ مجلس الوزراء مشروع الموازنة في صيغته النهائية، ويودعه السلطة التشريعية ضمن المهلة المحدَّدة في الدستور، أي قبل 15 يوماً على الأقل من بدء العقد العادي في تشرين الأول. كما وأن يقدِّم وزير المالية إلى السلطة التشريعية، قبل أول تشرين الثاني، تقريراً مفصّلاً عن الحالة الاقتصادية والمالية في البلاد، وعن المبادئ التي اعتمدتها الحكومة في مشروع الموازنة. ويُستخلص من ذلك، أنّ تقديم المشروع قبل تشرين الأول يعني إمكانية إقرار الموازنة بمرسوم، إذا فشل البرلمان في دراستها في خلال المدة المحدّدة (المادة 86 من الدستور). وهذا ما من شأنه أن يُكسب الحكومة ورقة ضغط مهمّة، تُلزم من خلالها السلطة التشريعية باحترام التزاماتها والتقيُّد بالمهل الدستورية بدورها بهذا الخصوص.

إلّا أنّه، وعلى رغم من هذه الإيجابية، يبقى الأهم معرفة ما إذا كان سيتمّ هذه السنة تقديم قطع حساب العام 2025، وفق ما تقتضيه المادة 87 من الدستور، أم أنّه سيصار كما درجت العادة منذ عقدَين إلى تجاهله؟ مع العلم أنّ قطع الحساب أكثر من كونه التزاماً دستورياً، تكمن أهمّيته في ضرورة تمكين النوّاب، ومن خلالهم المواطنين، من العودة إلى التنفيذ الفعلي للموازنة من أجل مراقبة تنفيذها، وتقييم التوقّعات الواردة في قانون موازنة 2027 بدقّة، لا سيما أنّه يُفترض أن يكون هناك تحليل لكيفية تحصيل الضرائب واعتماد السياسة الضرائبية وفقاً لما جرى تحصيله فعلياً، وهذا يستدعي بالتأكيد دراسة الأرقام والجدوى والأثر الاقتصادي لهذه الضرائب بصورة علمية وتقنية وموضوعية وأمينة وموثّقة. مع العلم والتذكير، إذا لزم بأنّ هذه العوامل جميعها تُعتمد في دول العالم، من أجل اتخاذ أفضل القرارات، من خلال إجراء تحليل للمرحلة السابقة للإنطلاق منها على ضوء المستجدات، وبالموازاة مع دراسة وقع أثر إقتصادي ودراسة جدوى اقتصادية، تضمن حسن اتخاذ القرارات واعتماد الخيارات.

وللأمانة، مَن يطّلع على مشروع قانون موازنة عام 2027، يتبيَّن له بأنّه شبيه بالموازنات التي سبقته لناحية تجلّي رغبة السلطة في تأمين ايرادات لتغطية النفقات التشغيلية، خصوصاً للقطاع العام الذي تعدّت كلفته نصف نفقات الموازنة، لكن بمعزل عن أي رؤية واضحة وخطة متكاملة أو برنامج إصلاحي يؤمّن مقوّمات تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة ومعالجات ناجعة وفعّالة لمكامن الخلل في النظام المؤسساتي.

وبالتالي، يتبيَّن جلياً أنّ المشروع العتيد – باستثناء تدابير مرحَّب بها لمكافحة التهرُّب الضريبي وتوسيع قاعدة المكلفين وسدّ بعض أبواب الهدر واعتماده لأول مرّة إطاراً مالياً متوسط الأجل، يرسم المسار المالي لغاية العام 2030، استناداً إلى مجموعة من الافتراضات الاقتصادية الكلية – لم يقترح أو حتى يحضّر لأي إصلاحات لمعالجة القضايا الرئيسية التي تحدّ من الحيّز المالي، بما فيه الحاجة الملحّة لإعادة هيكلة الديون، وإعادة هيكلة القطاع العام، وإصلاح الشركات المملوكة للدولة، ووضع نظام ضريبي جديد وعصري، يوفّق بين العدالة الضريبية وحسن توزيع الثروة والأعباء من جهة، والفعالية الاقتصادية والاستثمارية وزيادة النمو بشكل مستدام، من جهة أخرى. بل تُعيد تكرار أغلب ما ورد في موازنات الأعوام السابقة أحياناً إلى حدّ التطابق وهي، بذريعة شحّ الإمكانيات وصعوبة الأوضاع، تكتفي بالحلول السريعة المجزّأة وغير الفعّالة لزيادة الإيرادات، بهدف تغطية النفقات العامة التشغيلية دون الإستثمارية ليس إلّا…

عملياً، الإصلاح المنشود يبدأ بوضع رؤية واضحة وخطة متكاملة أو برنامج إصلاحي، يؤمّن مقوّمات تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة ومعالجات ناجعة وفعّالة لمكامن الخلل في النظام المؤسساتي، مع الحرص على تأمين الحيّز المالي لتمويل الحماية الاجتماعية ونفقات الاستثمار؛ كل ذلك ضمن استراتيجية واضحة لوضع المالية العامة على مسار مستدام، لاستعادة القدرة على تحمّل الديون. وبالتالي، تؤشر وتحضرّ لرزمة من القوانين المقبلة التي من شأنها ترجمة هذه الرؤية وهذه الاستراتيجية، ولا سيما منها قانون الضريبة الموحّدة على الدخل، الذي من شأنه أن يؤسس لنظام أكثر عدالة وفعالية وقابلية للتنفيذ. وهو قادر على التقاط القدرة الاقتصادية الحقيقية، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة، واستعادة كلٍّ من الحيّز المالي وشرعية إعادة التوزيع، بالتوازي مع الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي.

أمّا على المدى المتوسط، فنعيد التأكيد مرّة جديدة أنّ الإصلاح الأهم هو للمالية العامة وشفافية الموازنة وحسن تنفيذها، إذ يقتضي الانتقال من نظام موازنة البنود المعتمدة حالياً إلى «موازنة النتائج» أي القانون التنظيمي (loi organique) الذي يسعى إلى المحافظة على التوازن بين مبدأي الحرّية للحكومة والمراقبة للبرلمان. وبالتالي، إزاء الحرّية التي تُمنح للحكومة، يتمّ تعيين المسؤولين عن البرامج من وزارات وهيئات بصورة واضحة، للتمكّن من محاسبتهم على أساس النتيجة المرجوّة وحسن الإداء (Performance) فضلاً عن أنّ الاعتماد على مبدأ «موازنة النتائج» يؤمّن شفافية أكبر، فيتمكّن الشعب من معرفة وجهة استعمال الواردات وفعالية كل تدبير وعدالته. فالموازنة هي الأداة الأساسية للمالية العامة، هي وسيلة للتدخّل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق البرامج والوعود التي التزمتها السلطات السياسية، والتي يقتضي كما وفي كل ديمقراطية تشاركية أن تُحاسب على أساسها.

هذا، وقد كرَّس هذا المشروع كما والموازنات السابقة غياب العدالة الضريبية من خلال ارتكاز معظم إيراداته على الضرائب غير المباشرة التنازلية، والتي تطال عموم اللبنانيّين وتصل هذه السنة إلى نسبة الثلاثة أرباع من مجمل الإيرادات الضريبية. وهذا التفاوت بينهما يعمّق اللاعدالة الاجتماعية والتفاوت الكبير بين الفئات، ويُحمّل العبء لِمَن ليس له طاقة لتحمُّله أو لِمَن هو ملتزم بموجباته الضريبية، مقارنةً مع مَن هم متهرّبون. ولا يفيد في هذا السياق ولا ينفع الادّعاء، بأنّ الموازنة خالية من ضرائب جديدة أو زيادات، طالما أنّ تلك الزيادات يُجرى بحثها بعد إقرار الموازنة في «الغرف المغلقة» وإقرارها «مموَّهة» و«متخفّيةً» ضمن سلع أساسية يصعب تجنّبها أو التنازل عن شرائها وذلك، بغياب أي متابعة أو مساءلة أو محاسبة من قِبل مَن هم مؤتمنون على المال العام وتمثيل مصالح المواطنين، أي «بكوات» النواب المتربّعين على عرشهم من دون خجل أو مراجعة ضمير أو تقييم إداء. وإلّا، فكيف يمكن السكوت مثلاً على غياب قطع حساب منذ أكثر من عقدَين، وكيف لا يتمّ متابعة مواضيع بغاية الخطورة والأهمية كموضوع التوظيف، بخلاف المنع والحظر الذي ورد في المادة 21 من القانون رقم 46/2017 (سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام) الذي، بسبب عدم دراسته جدّياً وشوائبه العديدة، فاقم المشاكل وأدّى مع سواه من العوامل إلى الإنهيار المالي سنة 2019؛ وسواها من الأمور التي أثارها الإعلام وناشد بها العباد؟

والحال ما تقدَّم، من نافل القول، إنّ مشروع الموازنة لهذا العام خالٍ من أي رؤية اقتصادية حقيقية وبرنامج إصلاحي فعلي ومدروس، يعيد الثقة إلى المواطن والمستثمر ويبلسم جراح شعبٍ نازفٍ وتائه، خارج من أزمة اقتصادية مستفحلة وآتون حرب مدمّرة.

وعليه، يتضمّن المشروع مجموعة من التدابير المجتزأة والخجولة غير الكافية والمعزولة عن أي حلّ شامل وبرنامج متكامل واضح المعالم، للخروج من الأزمة المستفحلة.

صحيح أنّ المشروع الآنف الذكر قد حاول إلى حدٍ ما مراعاة الظروف الصعبة السائدة، وتجنّب زيادة الضرائب المباشرة، في ظل ما يسود من حالة ركود وانكماش وتضخُّم مفرط، إلّا أنّ ذلك قد أتى بمعزلٍ عن خطة تعافٍ عادلة وموضوعية متوافَق عليها، وبعد سلسلة من زيادات لرسوم وضرائب غير مباشرة اعتمدتها الحكومة خلال العام 2026. وكل ذلك من دون إيجاد حلٍ نهائي لموضوع الودائع المحجوزة والديون المستحقة والفجوة القائمة في حسابات المصارف ومصرف لبنان. تاريخ

بكل صراحة، كان يُؤمل نقلة نوعية وإصلاحاً فعلياً في المالية العامة، من خلال موازنة شفافة وشاملة وعصرية، لاسيما أنّ الظروف الاستثنائية الراهنة، كانت تحتّم موازنة استثنائية جريئة وخلاّقة، لا موازنة شبيهة إلى حدّ كبير مع سابقاتها التي مهّدت الطريق وسرّعتها للإنهيار العظيم الذي نشهد فصوله تباعاً منذ سنوات. أبهذه الطريقة تطمح الدولة إلى إعادة الإعتبار لصدقيّتها وثقة المواطنين والخارج بها؟ هذا الأمر غير متوفرّ لسوء الحظ في المشروع المطروح، على رغم من وعود الحكومة، ويقيننا بأنّ الظروف صعبة والإمكانيات محدودة.

مصدرالجمهورية - كريم ضاهر
المادة السابقةالعراقيون لا يريدون “بضاعة إيرانية”: مخاوف من فراغ في السوق
المقالة القادمةالنجاح في عالم الأعمال: 50% تعليم أكاديمي و50% خبرة عملية