نحاس ألمنيوم بطاريات… للبيع: لبنان بلد الخُردَة

حتى نهاية آب 2025، صدّر لبنان إلى الخارج بما قيمته 274 مليون دولار من خردة الحديد والنحاس والألمنيوم والرصاص. هذه الأرقام لا تعكس صناعة لبنانية متقدّمة، ولا تشير إلى وجود مناجم يُستخرج منها موارد معدنية، بل سببها تحوّل لبنان إلى ممرّ «ترانزيت» للخردة في المنطقة منها ما يأتي عبر معابر شرعية ومنها ما يأتي مهرّباً قد يكون مصدرها سوريا أو العراق وقد يحمل مواد مشعّة.

يُدخل تصدير الخردة عملة أجنبية إلى السوق، لكن إلى جانبها تصل أيضاً نفايات مشعّة على شكل خردة. وبسبب تصديرها انطلاقاً من لبنان، تسجّل الجمارك اللبنانية على أنّها «ذات منشأ لبناني»، ما يُلزم الدولة وتحديداً الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية بضرورة التعامل معها، من تصنيفها ومعرفة نوع المادة المشعة وصولاً إلى حفظها وإبلاغ الهيئة الدولية للطاقة الذرية بوجودها. وأمام تصاعد عمليات إدخال الخردة من سوريا، قرّرت الحكومة منع إدخال شحنات الخردة الآتية من سوريا إلى لبنان، بغية إعادة تصديرها من المرافئ اللبنانية، بحسب القرار الرقم 19، الصادر في 12 كانون الأول الجاري.

بحسب نص القرار الحكومي، حذّرت الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية من إمكانية احتواء الركام المستورد من سوريا على مصادر مشعة، أو ملوثة. وأفادت أنّ بعض تجار الخردة بدأوا باستيراد المعادن من سوريا ببيانات نظامية لإعادة تصديره عبر المرافئ اللبنانية، ما يعطيه صفة المنشأ اللبناني. وهذا سيرتب على الدولة إجراء الفحص الإشعاعي في المرافئ، وضبط أي قطعة ملوّثة إشعاعياً والتعامل معها كنفايات مجهولة المصدر، ما يعرف بـ«مصدر يتيم».

تقول الهيئة إنّ 90% من النفايات المشعّة في لبنان، مصدرها الركام المعدني، أو الخردة، لذا لا بدّ من معالجة هذه المشكلة باعتماد سياسة إعادة تصدير أيّ شحنة مشعّة إلى مصدرها، ومنعها من دخول لبنان. وبحسب رئيس الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية بلال نصولي فإنه «في حال فتح استيراد الخردة إلى لبنان من دون ضبط على الحدود وإعادة تصدير للمواد الملوثة، يتحول لبنان إلى مكبّ للنفايات المشعة».

أما ملف التحذير من مخاطر تهريب وإعادة تصدير الخردة، فقد فُتح من 15 سنة، وفق نصولي، معيداً السبب إلى الكميات الكبيرة من الخردة التي تصدّر من لبنان رغم أنّ لبنان ليس بلداً صناعياً قادراً على إنتاج هذا الحجم الكبير من الركام المعدني، إلا أنّ حجم الخردة المصدّرة وصل حتى نهاية شهر آب من عام 2025 إلى 440 ألف طن من الحديد والنحاس والألمنيوم والرصاص، وفقاً لأرقام الجمارك.

وتعدّ المواد المشعّة المكتشفة ضمن الخردة من أبرز الأدلة على وجود تهريب لكميات من الخردة. قد يكون ممكناً وجود مواد مشعّة طبيعية تستخرج مع النفط وفق ما تقول الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية، إلا أنه في لبنان لا يوجد صناعة نفطية تلوّث الأنابيب المعدنية بهذا النوع من المواد، ما يعني أنّها آتية من خارج الحدود. ويستبعد نصولي وصول مواد مشعة ناتجة من ممارسات طبية لأنها غير موجودة في لبنان.

يشير نصولي إلى أن حركة تصدير الخردة بلغت ذروتين ارتبطا زمنياً مع حربَي العراق في 2003 وسوريا في 2011. بمعنى آخر، تنشط تجارة الخردة بعد الحروب إذ يلتزم تجار المعادن والمقاولين شوارع كاملة لإزالة الردم منها ويعود ناتج الركام من حديد ومعادن أخرى بالنفع الأكبر عليهم.

صدّر لبنان 440 ألف طن خردة في أول 8 أشهر من 2025 رغم أننا لسنا بلداً صناعياً

لكن لا يدقّق هؤلاء بمصادر الخردة وما تحتويه من مواد مشعة، ولا يعرف المهرّب الذي يتولى نقل الخردة من بلد إلى آخر ماذا يحمل. فعلى سبيل المثال، تحتوي المستشفيات على كميات كبيرة من المواد المشعة، وعند رفع الركام من أبنية المستشفيات المدمّرة تختلط المواد المشعة مع بقية المعادن، وتعامل على أنّها ركام عادي، ولا تكتشف إلا عند محاولة تصديرها بالطرق القانونية.

وفي الآونة الأخيرة، علمت الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية عن تواصل عدد من تجار الخردة السوريين مع نظراء لهم في لبنان، ورصدت استعدادات لنقل معادن من سوريا إلى لبنان لتصديرها من الموانئ اللبنانية.

لذا أصدرت الهيئة تحذيراً عُمّم على الجمارك اللبنانية طالبة منهم إخضاع الشحنات لآلات الكشف على المعابر البرية بغية الكشف عن وجود أيّ مواد مشعّة داخلها. وبالفعل، تمكّنت الجمارك من ضبط عدد من الحاويات التي تحتوي خردة معادن في مرفأي بيروت وطرابلس ورُدّت لأصحاب العلاقة، واقترحت الجمارك على وزارة المال منع إدخال الشحنات الآتية من سوريا إلى لبنان، وهو ما أُقرّ في مجلس الوزراء أخيراً.

إنّما هذا القرار لا يمكن أن يضبط سوى الشحنات القانونية التي تعبر بأوراق رسمية، ما يبقي خطّ التهريب مفتوحاً. لكن أين المشكلة؟ وفقاً لنصولي، إخراج المواد المشعة من دون كشوفات يضرب الثقة بلبنان، إذ يمنع تصدير المواد الملوثة بالإشعاعات. وعند وصولها إلى أيّ مرفأ في الخارج، يغرّم المورّد، وتُرفع شكوى على لبنان إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن وجود نفايات ملوثة بالإشعاعات النووية خارجة من لبنان.

مصدرجريدة الأخبار - فؤاد بزي
المادة السابقةلهذه الأسباب لبنان تحت خط الفقر المائي
المقالة القادمة60 يومًا لا تكفي لإنقاذ اقتصاد