يدفع قطاع تربية النحل في لبنان ثمن الأزمات المتلاحقة، إذ تتقاطع تداعيات الحرب مع موجات الجفاف لتُثقل كاهل المربين وتهدّد استمرارية هذا النشاط الحيوي. فبين تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع الخسائر وكلفة الإنتاج، يجد النحالون أنفسهم أمام واقع صعب يضع مستقبل العسل على المحك.
جعل القصف عبر الحدود في جنوب لبنان منذ اندلاع التصعيد العسكري في أكتوبر 2023، الوصول إلى المناحل خطيرا أو مستحيلا في الكثير من الفترات، ما فاقم معاناة المربين الذين يعانون أصلا من التغير المناخي.
ويقف النحال الستيني جلال ضاهر يتأمل خلايا نحله المتفحمة عند الأطراف الغربية لجبل الوسطاني، ويقول إن “الحرب بقذائفها وذخائرها وحرائقها قضت على خلايا العمر، جهود سنوات ذهبت هباء، ولا موسم عسل هذا العام”.
وأوضح لوكالة شينخوا أن القصف وقطع الطرق حالا دون وصوله إلى مناحله خلال ذروة الموسمين الماضيين، فبقيت الخلايا من دون رعاية أو تغذية أو حماية من الحر والبرد، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من النحل.
وأشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 5 آلاف خلية نحل دُمّرت بالكامل في لبنان بين 8 أكتوبر 2023 و20 ديسمبر 2024، بقيمة أضرار تقارب 800 ألف دولار.
وتقول وزارة الزراعة إن تنظيم القطاع وتطويره يمثلان أولوية لتعزيز مساهمته في الاقتصاد الذي يعاني من أزمة خانقة منذ أواخر 2019.
سعر كيلوغرام العسل ارتفع من 15 دولارا إلى 25 دولارا نتيجة انخفاض المعروض وارتفاع تكاليف تربية النحل
وشدد وزير الزراعة نزار هاني لشينخوا على ضرورة وضع أطر تشريعية وتنظيمية تحدد مواصفات النحالين ومواقع المناحل بما يراعي التوازن البيئي ويضمن استدامة القطاع.
وبحسب بيانات الوزارة، يضم القطاع نحو 8 آلاف نحال يملكون أكثر من 417 ألف خلية، وينتج في الظروف الطبيعية نحو 1500 طن من العسل سنويا، ويعتمد هذا الإنتاج مباشرة على توفر المراعي الطبيعية واستقرار المناخ ومواسم الأمطار.
وقال النحال الخمسيني عمر عواد من بلدة راشيا شرق لبنان إن “مع تصاعد العمليات العسكرية، اضطر الكثير من النحالين إلى نقل خلاياهم من المناطق الحدودية والمرتفعات المكشوفة إلى مناطق أكثر أمانا، في عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر”.
وأضاف أن “النحالين اعتادوا نقل الخلايا شتاء إلى المناطق الساحلية الدافئة جنوب البلاد، حيث تزهر بساتين الليمون والحمضيات، وهي مصدر رئيسي للرحيق”.
غير أن توسع رقعة العمليات دفعهم هذا العام إلى التوجه شرقا وشمالا، وفق عواد، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر وتندر الأزهار الشتوية، ما تسبب بخسائر إضافية في أعداد الخلايا.
وأكد أن غياب الرعاية خلال فترات التصعيد كان كافيا للقضاء على مواسم كاملة، خصوصا في الربيع حين تبلغ دورة الإنتاج ذروتها.
وشهدت بعض المناطق نفوق ما بين 60 و70 في المئة من النحل، بسبب صعوبة الوصول إلى الخلايا وانقطاع الرعاية، فيما يقدّر أن حجم الخسائر الفعلية يتجاوز الأرقام المعلنة.وقال رئيس تجمع تعاونيات النحالين في حاصبيا بجنوب لبنان ماجد الحلبي “لا تقف التحديات عند الحرب فقط فتغير المناخ أدى إلى تراجع مواسم الإزهار وتقلص المراعي الطبيعية التي يعتمد عليها النحل”.
وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وتكرار موجات الجفاف، واندلاع حرائق الأحراج، كلها عوامل قلصت المساحات الحرجية، ما تسبب في انخفاض إنتاج العسل ونفوق النحل.
وأكد النحال منير عثمان من مدينة بعلبك أن الطائرات الإسرائيلية لاحقت النحالين إلى السلسلة الشرقية شرق لبنان، حيث تعرضت المئات من خلايا النحل للتدمير.
وقال “وجد النحالون أنفسهم أمام قطاع حيوي مهدد، قد يفقد الطبيعة توازنها البيئي بسبب الحروب والاعتداءات والجفاف وتبدل المناخ الذي خيم على لبنان في السنوات الأخيرة وكان آخرها عام 2024”.
واعتبر عثمان أن الحرب والجفاف عدوان أساسيان لمربي النحل، وما يفاقم الوضع غياب شبه تام للجهات المعنية، حيث ندرت التقديمات الضرورية ومنها الشمع والأدوية والخلايا وملكات النحل المؤصلة.
وشدد على ضرورة تدخل الدولة بسرعة من أجل ترميم وإعادة إحياء هذا القطاع المهدد بالانقراض قبل فوات الأوان.
وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، يواجه قطاع تربية النحل تحديات متزايدة، تنعكس سلبا على الإنتاج والأسعار، كما أكد كامل خير، المحاضر الجامعي في مجال البيئة.
وقال إن “النحل يُعد من أكثر الكائنات تأثرا بتقلبات المناخ رغم دوره الحيوي في تلقيح النباتات والمحاصيل وتعزيز الأمن الغذائي”.
وأوضح أن موجات الحر والجفاف واضطراب الفصول أثرت بشكل مباشر على نشاط النحل ودورة حياته، حيث أدى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع النباتات المزهرة إلى انخفاض مصادر الغذاء الطبيعية داخل المراعي.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى أن اضطراب المناخ يسهم في تراجع صحة النحل وإنتاجيته، فيما حذرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، من أن استمرار هذه الظواهر يهدد الملقحات الأساسية للزراعة.
وبحسب خير، فإن فترات الجفاف الطويلة والحرائق المتكررة تسببت في فقدان مساحات واسعة من المراعي، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من النحل وتراجع إنتاج العسل.
800 مليون دولار خسائر قدرها البنك الدولي من دمار 5 آلاف خلية بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2024
وأوضح أن ذلك انعكس مباشرة على الأسواق، حيث ارتفع سعر كيلوغرام العسل من 15 دولارا إلى 25 دولارا نتيجة انخفاض المعروض وارتفاع تكاليف تربية النحل.
ودعا إلى تكثيف حملات التوعية البيئية، والحد من الحرائق، وتنظيم استخدام المبيدات الحشرية بالقرب من المناحل، مؤكدا أن حماية النحل لم تعد مسألة بيئية فحسب، بل ضرورة اقتصادية لضمان استدامة الإنتاج والحفاظ على التوازن البيئي.
ويرى بعض النحالين أن الأزمة الاقتصادية فاقمت المعاناة، مع تضاعف كلفة الأعلاف وأدوية مكافحة حشرة “الفاروا” والمعدات المخصصة لإفراز العسل.
وأوضح النحال عادل الخطيب أن الإنتاج انخفض إلى النصف مقارنة بالسنوات السابقة، ما جعل العديد من النحالين غير قادرين على تغطية نفقاتهم.
وقال “لا تقتصر أهمية النحل على إنتاج العسل، بل يؤدي دورا أساسيا في تلقيح المحاصيل الزراعية، مثل الفواكه والخضراوات، وبالتالي فإن أي تراجع في أعداده ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي المحلي”.
وطالب الخطيب الجهات المعنية بتسهيل تنقل المناحل، وتعويض المتضررين، وتعزيز حماية الغابات والمراعي، إضافة إلى دعم تقنيات تربية أكثر قدرة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.



