نفط فنزويلا في قبضة ترامب: العالم يترقّب المخاطر

بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب “سندير فنزويلا، ونواصل التدخّل إلى أن يحين الوقت ⁠الذي ​يمكننا فيه القيام بانتقال آمن وسليم وحكيم (للسلطة)”. ولم يُخفِ ترامب أنّ السبب الجوهري للإطاحة بمادورو، هو السيطرة على النفط الفنزويلي، فأكّد أنّ “شركاتنا النفطية الكبيرة ستذهب إلى فنزويلا”. فكيف سينعكس النفوذ الأميركي في فنزويلا على سوق النفط والاقتصاد العالمي؟.

نفوذ ترامب

يعتبر الرئيس الأميركي أنّ النفط الفنزويلي من حقّ بلاده، وهو يعود بذلك إلى مرحلة ما قبل العام 1976 حين أمّمت فنزويلا قطاع النفط الذي كانت تسيطر عليه الشركات الأميركية بشكل حاسم، بالإضافة إلى بعض الشركات الأوروبية. ورغم التأميم، بقيت الشركات الأميركية والأوروبية في فنزويلاً إلاّ أنّ نفوذها تقلَّص، حتى جاء الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز إلى السلطة في عام 1999، ففرض قيوداً أكبر على نفوذ تلك الشركات، وزاد عليها الضرائب وعزّز حضور الدولة في القطاع وقلّص حصص الشركات. ولذلك اعتبر ترامب أنّ “البنية التحتية النفطية في فنزويلا سُرقت منا”.

مشروع استعادة السيطرة الأميركية على النفط الفنزويلي لا يزال في مراحله التحضيرية، ولهذا السبب سيبقى الحظر الأميركي على النفط الفنزويلي قائماً في المرحلة الراهنة، على أنّ الولايات المتحدة سترسل شركاتها العملاقة “لتستثمر مليارات الدولارات في إصلاح البنية التحتية النفطية المتهالكة”. وبعدها ستبدأ “بتحقيق الأرباح للبلاد”، وفق تصوّرات ترامب.

النفط والاقتصاد العالمي

لا ينفصل النفط عن الاقتصاد العالمي. ورغم الحديث عن الاتجاه نحو الطاقة النظيفة والالتزامات الدولية بخفض انبعاثات الكربون، إلاّ أنّ البنية التحتية للاقتصاد العالمي تعتمد على النفط. ومن هذا اليقين، يدرك ترامب أنّ سيطرة بلاده على أكبر احتياطي من النفط الثقيل في العالم، هو فرصة اقتصادية لا تعوَّض وباباً لتعزيز السيطرة السياسية. فالصناعات الثقيلة المدنية والعسكرية وكلفة النقل وأسعار الغذاء والطاقة، تحدَّد بشكل أساسي انطلاقاً من توفّر النفط وأسعاره.

على أنّ ما ينتظره ترامب من نتائج سيطرته على فنزويلا ونفطها، لم يظهر بعد بشكل لافت على أسعار النفط وأكلاف الصناعات والإنتاج، خصوصاً وأنّ إمدادات النفط الفنزويلي في العالم ضئيلة، نتيجة العقوبات الأميركية المفروضة على التوريد وتعامل الشركات والدول مع فنزويلا. ومع ذلك، تنتظر الدول ما سيرشح عن التدخّل الأميركي المباشر في فنزويلا ودخول الشركات الأميركية إلى تلك البقعة من العالم وبدء إفادتها من الاحتياطي النفطي الضخم الذي سيدخل الأسواق الدولية بصورة شرعية.

وبالنفط الفنزويلي المنتظر، ستنافس الولايات المتحدة دول منظمّة أوبك وأوبك+، وتحديداً السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، إيران، فضلاً عن روسيا وكازاخستان. ومع أنّ للولايات المتحدة نفوذها السياسي على بعض الدول الأعضاء في التحالفين، إلاّ أنّها بسيطرتها على النفط الفنزويلي، توسّع نفوذها المباشر على قطاع النفط.

والمنافسة الجديدة لن تكون سهلة، فالاحتياط الفنزويلي النفطي الضخم سيكسر سيطرة أوبك وأوبك+ على السوق النفطي. ما يعني أنّ الولايات المتحدة سيكون لها نفوذها في تحديد حجم الإنتاج النفطي وفي تقلّبات الأسعار، ما سيعزّز قدرتها السياسية في مواجهة روسيا والصين. وسيكون لها كلمتها في تحديد أكلاف الشحن والصناعات البتروكيماوية والصناعات العسكرية وحركة التجارة الدولية. فضلاً عن أسعار الأسهم في البورصات، خصوصاً أسهم النفط والصناعة.

حالة الترقّب والمخاطر

حتى الآن، هناك حالة ترقّب مع الحفاظ على الواقع القائم في سوق النفط. وفي أوّل اجتماع (أمس الأحد) لأعضاء في تحالف أوبك+ بعد الإطاحة الأميركية بمادورو، اتّفقت السعودية، روسيا، الإمارات، كازاخستان، الكويت، العراق، الجزائر، وسلطنة عُمان، على الإبقاء على مستويات إنتاج النفط من دون تغيير. وكانت دول التحالف قد اتفقت في نهاية تشرين الثاني 2025 على عدم تغيير مستوى إنتاجها خلال عام 2026. علماً أنّ أوبك+ تضخّ نحو نصف إمدادات النفط العالمية.

تصوّرات كثيرة ترتبط بالخطوة الأميركية تجاه فنزويلا وما سيتبعها من انعكاسات على الاقتصاد العالمي وعلى النفوذ السياسي بين الدول الكبرى، خصوصاً روسيا والصين المنخرطتان في صراع واضح مع الولايات المتحدة. وبذلك، فإنّ حالة عدم اليقين السياسية والاقتصادية، تخيف المستثمرين ما قد يؤدّي إلى انكماش في الاستثمارات الدولية، وتالياً تباطؤ النمو الاقتصادي، لا سيّما في حالة ارتفاع أكلاف الإنتاج إذا ما شهدت سوق النفط تقلبات في الأسعار بفعل تقاسم نفوذ الإنتاج والتوريد والاستغلال الأميركي للنفط الفنزويلي.

وفي محاولة أوّلية لتطويق أي مخاوف لدى روسيا والصين، قال ترامب “سنرتب الأمور مع روسيا والصين ومع الدول الأخرى المهتمة بالنفط”. أيّ أنّه ظاهرياً لا يريد الصدام مع تلك الدول، لكنّه يريد ضمان موقعه في سوق النفط. ومع ذلك، قد لا يكون الترحيب الروسي والصيني بالطمأنة الأميركية، مضموناً، إذ إنّ خطوة ترامب تعني دخوله عالم المنافسة بشدّة. وهذا ما قد يدفع روسيا والصين إلى تعزيز خطوط الإمداد بينهما وبين الدول الحليفة وتلك التي تتوجّس من المنافسة الأميركية، وذلك عبر اتفاقات نفطية بشروط وأسعار جديدة. كما قد يكون هناك اتجاه لتسعير النفط بعملات أخرى غير الدولار، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار صرف الدولار، وبالتوازي على أكلاف الاستثمارات والسلع والتأمينات العالمية.

المخاوف مشروعة، كلٌّ بحسب مصالحه. على أنّ هذه المخاوف قد تتعاظم فيما لو فكّر ترامب بتوسيع رقعة تدخّله المباشر باتجاه النظام الإيراني، في مسعاه للسيطرة السياسية والسيطرة على النفط الإيراني. خصوصاً وأنّ إيران لاعب أساسي في سوق النفط وميدان السياسة، يتخطّى فنزويلا بأشواط. وبتلك الخطوة، يكون ترامب قد اخترق تحالف أوبك والحلف الإيراني – الروسي – الصيني، ووضع يده على مضيق هرمز الذي يمرّ منه نحو 20 بالمئة من النفط العالمي، وذلك يستتبع تغييراً جذرياً في الحركة السياسية والاقتصادية الدولية.

مصدرالمدن - خضر حسان
المادة السابقةحركة سياحية جيدة جداً خلال الأعياد: لبنان يحتاج الإستقرار فقط؟!
المقالة القادمةتداعيات “صدمة” فنزويلا على النفط العالمي.. هل ترتفع الأسعار؟