وزارة الخزانة الأميركية تبحث عن «الكاش»: إعادة إحياء سارقي الودائع!

منذ بداية الأزمة، كان الهمّ الأساسي لوزارة الخزانة الأميركية مكافحة التحوّل في لبنان نحو اقتصاد الـ«كاش». كانت قدرتها على مراقبة حركة الأموال وتتبّعها، ممسوكة، عندما كان القسم الأكبر من حركة التداولات في لبنان يتم عبر المصارف. إلا أن ارتفاع حصّة الكاش في 2022 إلى 45% من الناتج المحلي، خلق توتّراً تُرجم إلى مطالبة الحاكم بالإنابة وسيم منصوري بإجراءات لمكافحة الكاش. وهذا ما تعبّر عنه الزيارة الأخيرة لوفد وزارة الخزانة في تركيز الضغوط في اتجاه آليات إعادة التداول المالي إلى المصارف. في الواقع، لا تهتم أميركا بإحياء مصارف «الزومبي» إلا من هذه الزاوية، ولا تهمّها الجدوى الاقتصادية للمصارف في لبنان رغم أن دورها في العقود الثلاثة الأخيرة تمحور حول تبديد الودائع. في الواقع، لا يمكن إحياء المصارف من دون تعديلات جوهرية على دورها في الاقتصاد بمعزل عن المطالب الأميركية.

أيّ دور للمصارف؟

اهتمام وزارة الخزانة الأميركية بـ«اقتصاد الكاش» مردّه إلى ضعف قدراتها في تتبّع الحركة المالية لجهات تصنّفها «إرهابية». أتى ذلك بعد الانهيار المصرفي والنقدي، إذ تعقّدت عمليات المراقبة استناداً إلى ما يسمّى «الامتثال» وبات النقد الورقي محور الحياة الاقتصادية. ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن اقتصاد «الكاش» بات يوازي 45% من الناتج المحلي لعام 2022. وتقديرات البنك الدولي هي أول محاولة معلنة لتقدير اقتصاد «الكاش» في لبنان، من خلال دراسة ستة مصادر للدولارات النقدية هي: السحوبات النقدية بالعملة الأجنبية التي سبقت الأزمة، تدخلات مصرف لبنان بالعملة الأجنبية وتلك التي تتم عبر صيرفة، تحويلات المغتربين الصافية، المال المخزّن في المنازل، النقد الذي يأتي إلى لبنان بشكل رسمي وغير رسمي، المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية، الإيداعات الجديدة بعد الأزمة المسماة «فريش» غير الخاضعة للكابيتال كونترول المفروض بالأمر الواقع.

واقتصاد «الكاش» كان نتيجة طبيعية للانهيار المصرفي الحاصل، رغم حالة إنكار الإفلاس المصرفي في بداية الأزمة. إلا أنه سرعان ما تبيّن أن دور المصارف تقلّص في استقبال التحويلات المتنقلة بين الداخل والخارج، بالإضافة إلى بعض عمليات التحويل الداخلية. كذلك تبيّن أن هذا هو الدور الوحيد الذي قامت به في السابق مع حصّة أكبر من التحويلات، إلى جانب الدور الرقابي الذي تطلبه الولايات المتحدة، إذ كانت مسؤولة عن معرفة مصادر الأموال التي تفوق قيمتها 10 آلاف دولار. كان هذا أهم دور للمصارف يقوم على الاحتفاظ بالأموال، دفترياً، وإعادة توزيعها فعلياً على شكل قروض استهلاكية وتوظيفات في مصرف لبنان والدَّين العام بالعملات الأجنبية. عملياً، كان دورها في تمويل الاستثمار المنتج طفيفاً، مقابل دور متعاظم للرقابة على مصادر الأموال وتمويل الـ«بونزي» الذي كان يدعم فقاعة الاستهلاك. والمصارف كانت تدرك أن القروض لم تكن مغطاة بأصول حقيقية، بل بالأجور المنفوخة من خلال دعم العملة. بمعنى أوضح، كانت المصارف الأداة التي جعلت نموذج البونزي بأكمله، يستمرّ.

سلوك المستهلك

من الناحية المالية والنقدية، من مصلحة الجهة المركزية التي تتحكّم بالسياسة النقدية، وهي أصبحت في الاقتصادات العصرية، المصرف المركزي، أن تكون قادرة على رؤية حركة الأموال في السوق، ولا سيما الأموال الخاصّة بالاستهلاك، لأن ذلك يُسهّل عليها مراقبة السلوك الاستهلاكي، وبالتالي يتيح لها ترقّب الأزمات وتوقّعها ومكافحتها استباقياً. كما أن هذه القدرة تساعد المصارف المركزية على معرفة ردّات فعل السوق على قراراتها، وبالتالي دراسة السلوكيات الاقتصادية للمستهلكين والمنتجين، وهذا أيضاً يُسهّل عليها اتخاذ القرار من خلال جمع عيّنات كبيرة من البيانات التي يُمكن البناء عليها.

لكن هذه المهمّة لا تنحصر بالمصارف المركزية، بل ينطبق الأمر على المؤسسات المالية والسياسية والأمنية، لذا نرى أن لدى وزارة الخزانة الأميركية قسماً خاصاً بشؤون الاستخبارات المالية معني بمراقبة حركة الأموال بشكل كامل، وفرض العقوبات على من تصنّفهم مخالفين للمعايير التي تحدّدها لمكافحة تبييض الأموال والتهرّب الضريبي والعمليات غير المشروعة.

وإلى جانب ذلك، فإن التخلّص من استعمال النقد الكاش في التداولات، واستبداله بأنظمة الدفع الرقمية، تجعل معاملات المستهلك تحت الرقابة. حتى إنه يمكن استخدام بيانات المستهلك في صناعة التسويق، إذ يصبح كل ما يشتريه المستهلك معلومات عامة تستخدمها الشركات للترويج والبيع. أيضاً يمنح القوى السياسية المعرفة بالأدوية التي يأخذها والكتب التي يقرأها وغير ذلك الكثير، ما يجعله أكثر قابلية للتحكم. تتيح صناعة بطاقات الائتمان، ومعاقبة وفرض رسوم إضافية على المستهلك من خلال العمولات على كل عملية شراء.

الإفلاس الجماعي

تُستخدم الرقابة المالية الأميركية لتطبيق السياسات الخارجية، استناداً إلى فكرة تقوم على أن الدولار هو العملة السائدة في العالم وتٌمثّل نحو 85% من المعاملات التجارية العالمية. لذا، تضغط الولايات المتحدة من خلال قوة الدولار على الأنظمة المصرفية العالمية للحصول على تقارير بالأموال التي تتحرّك في القطاعات المصرفية. ومن دون التعاون، تتعرّض هذه المصارف لعقوبة الخروج من النظام المالي العالمي. تهتم وزارة الخزانة الأميركية بملاحقة جميع التحويلات بالدولار، ولا سيما التحويلات الكبيرة، لطرد كل من تُصنّفه إرهابياً من النظام المصرفي العالمي. وبما أن هذه المنظمات، بعد خروجها من النظام، تعتمد على «الكاش»، تندفع وزارة الخزانة الأميركية بتقليص حجم اقتصادات «الكاش»، لاستعادة دورها الرقابي. هذا ما يحصل في لبنان مع فرق وحيد هو أن المصارف أفلست جماعياً بدلاً من أن تتعرّض للعقوبات الجماعية. في هذا السياق، تطارد الولايات المتحدة اقتصاد الكاش، لكنها تواجه صعوبة إحياء المصارف المفلسة.

مصدرجريدة الأخبار - ماهر سلامة
المادة السابقةعلي محمود العبد الله: الاستشفاء الحكومي في عكار يعاني من تحديات خطيرة
المقالة القادمةمحاولة أخيرة لمنع توزيع القمح المتعفّن