2026… عام ولادة العقول الرقمية

يشهد عام 2026 تحوّلًا نوعيّا في مسار الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الحديث مقتصرًا على روبوتات دردشة تنتج النصوص أو مولدات صور وموسيقى، بل عن نماذج جديدة تعرف باسم “نماذج العالم”، وهي أنظمة قادرة على بناء تصور شامل للواقع والتفاعل معه كما لو كانت عقلًا اصطناعيّا يخطط ويفكر ويستبق الأحداث. هذه النقلة ليست مجرد تطور تقني، بل هي قفزة حضارية تضع الإنسان أمام سؤال وجودي جديد: إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على محاكاة العالم، فما الذي يبقى للإنسان من تفرده في الفهم والتخطيط؟

لقد اعتدنا أن نرى الذكاء الاصطناعي التقليدي يبرع في إعادة تركيب ما يعرفه من بيانات ضخمة، لكنه لم يكن يفهم العالم، بل يكتفي بالاستجابة اللحظية. أما نماذج العالم فهي مختلفة جذريّا، إذ تحاول بناء محاكاة ديناميكية للواقع، حيث يمكنها توقع النتائج واختبار السيناريوهات والتعلم من التجربة كما يفعل العقل البشري. تخيل سيارة ذاتية القيادة لا تكتفي بقراءة إشارات المرور، بل تتوقع أن السائق أمامها قد يتردد في الانعطاف، أو أن المطر سيجعل الطريق أكثر انزلاقًا. هذا ليس مجرد استجابة لحظية، بل تفكير استباقي يقترب من طبيعة العقل الإنساني.

هذه القدرة الجديدة تجعلنا نعيد التفكير في علاقتنا بالواقع ذاته. الفيلسوف جان بودريار كتب في كتابه “محاكاة ومحاكيات” أن “الواقع لم يعد ما كان عليه، بل أصبح سلسلة من نماذج تحاكي نفسها بلا أصل ولا مرجع”. ما نراه اليوم في نماذج العالم هو تجسيد عملي لهذه الفكرة، حيث يصبح العالم الافتراضي قادرًا على منافسة العالم الحقيقي في دقة التوقعات وعمق المحاكاة. أما مارتن هايدغر، الذي حذر من هيمنة التقنية على الوجود الإنساني، فقد قال إن “جوهر التقنية ليس تقنيّا”، مشيرًا إلى أن الخطر يكمن في أن تتحول التقنية إلى إطار يحدد معنى الوجود نفسه. نماذج العالم تجعل هذا التحذير أكثر راهنية، إذ قد نصل إلى لحظة يصبح فيها الواقع مجرد نسخة من محاكاة تُدار عبر خوارزميات.

لكن هذه الثورة ليست بلا ثمن، فهي تحتاج إلى موارد هائلة من البيانات والطاقة، ما يثير أسئلة عن الاستدامة البيئية. كما أن التحيزات الأخلاقية تظل خطرًا قائمًا، فإذا كان العالم الافتراضي منحازًا فإن القرارات ستكون منحازة أيضًا. وهناك مخاوف من الاستعمال العسكري لهذه النماذج وتحويلها إلى أدوات حرب أو مراقبة شاملة، فضلًا عن سؤال الاستقلالية: هل يمكن أن تتخذ هذه النماذج قرارات دون تدخل بشري؟ هنا يكمن الخوف الأكبر، وهو أن تتحول المحاكاة إلى سلطة مستقلة تتجاوز الإنسان.

بالنسبة إلى العالم العربي، هذه الثورة تحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد. يمكن لنماذج العالم أن تساعد في الزراعة وإدارة المياه والتخطيط العمراني ومواجهة التغير المناخي، وهي مجالات تحتاج إلى حلول واقعية لمشاكل مزمنة. لكنها قد تتحول إلى أداة هيمنة جديدة إذا بقيت محتكرة من القوى الكبرى، ما يجعل الدول العربية مجرد مستخدمين لا شركاء في صناعة المستقبل. هنا يبرز السؤال: هل يمكن للعالم العربي أن يستثمر في هذه النماذج ليكون جزءًا من الثورة، أم سيكتفي بدور المتلقي؟

نماذج العالم ليست مجرد تقنية جديدة، بل هي تحول حضاري يفتح الباب أمام ذكاء اصطناعي قادر على التفكير في الواقع، لكنها أيضًا تثير مخاوف من فقدان السيطرة وخشيةً على مستقبل الإنسان في عالم تُدار فيه القرارات عبر محاكاة رقمية. الطريق أمامنا مزدوج بين الأمل والقلق؛ الأمل أن نستفيد من هذه النماذج لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، والقلق أن نتركها تتحول إلى أدوات هيمنة جديدة تجعلنا أسرى لعوالم يصنعها الآخرون. إننا نقف اليوم على عتبة “مدينة فاضلة” رقمية تعدنا بالانسجام والوفرة، لكنها قد تنقلب إلى “متاهة رقمية” تحاصر الإنسان داخل شبكات من المحاكاة والقرارات الآلية. عام 2026 قد يُذكر في التاريخ كبداية عصر جديد للذكاء الاصطناعي، عصر نماذج العالم، والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل سنكون شركاء في بناء هذه العوالم، أم مجرد مستخدمين في عوالم يصنعها الآخرون؟

مصدرالعرب اللندنية - علي قاسم
المادة السابقةالتنافس بين دول الخليج يعزز نمو إيرادات صناعة السياحة
المقالة القادمةلعبة المضائق والصراع على خطوط التجارة الدوليّة