في ظل تزايد اعتماد الأُسر السوريّة على الحوالات الخارجية كمصدرٍ أساسي للدخل، تتحول صالات شركات الصرافة في دمشق إلى مشهد يومي من الازدحام والانتظار الطويل، حيث يقف مواطنون لساعاتٍ وأحياناً لأيام لاستلام أموال أرسلها ذووهم من الخارج، وسط شكاوى متصاعدة من تآكل القيمة الفعلية للحوالات عند القيام بعملية الصرف.
داخل إحدى شركات الصرافة في العاصمة، كانت آمنة العلوش “أم محمد” تحمل ورقة صغيرة عليها رقم انتظار، تراقب شاشة النداء بقلق بعد أن أمضت يومين كاملين في محاولة استلام حوالة أرسلها ابنها المقيم في ألمانيا.
تقول الستينية لـ”المدن” إن الازدحام الكبير وتأخُر عمليات التسليم، دفعاها للعودة أكثر من مرة من دون أن تتمكن من استلام الحوالة، مضيفة أن ابنها أرسل المال لمساعدتها على شراء الأدوية وبعض المستلزمات المعيشية، لكن جزءاً من قيمة الحوالة “ضاع” بسبب استلامها بالليّرة السوريَّة وفق السعر الرسمي. وتتابع: “كل سنة كنا ننتظر لنفرح، اليوم ننتظر الحوالة حتى نستطيع أن نعيش”.
وليس بعيداً عنها، كان ليث سلطان ينتظر بدوره رسالة تؤكد وصول حوالة من شقيقته المقيمة في الدوحة، بعدما تعذَّر عليها زيارة سورية هذا العام بسبب ارتفاع تكاليف السفر. يقول الشاب لـ”المدن” إن شقيقته أرسلت “عيدية” للعائلة كي يتمكنوا من شراء ملابس للأطفال وتأمين بعض احتياجات المنزل، موضحاً أن الحوالات أصبحت بالنسبة لكثير من الأُسر السوريَّة المصدر الأساسي لتغطية النفقات، في ظل تراجع الدخل الكبير وارتفاع الأسعار.
25 مليون دولار يومياً
تشهد شركات الصرافة والحوالات ازدحاماً لافتاً نتيجة ارتفاع التحويلات الوافدة من السوريين في الخارج، وسط اعتمادٍ متزايد للأُسر السوريَّة على الأموال المرسلة من أبنائها المغتربين لتغطية النفقات الأساسية، في ظل تراجع حاد في القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
يقول عصام الحسن مدير فرع إحدى شركات الصيرفة في دمشق إن أكثر من 7 ملايين سوري يعيشون في دول عربية وأجنبية، ويقدمون دعماً مالياً مباشراً لعائلاتهم عبر الحوالات، ما يجعل هذه الأموال إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد المحلي.
يوضح لـ”المدن” أن نسبة اعتماد الأُسر السوريَّة على الحوالات تتراوح بين 20% و70% من دخلها الشهري، في مؤشر على حجم تأثير هذه التحويلات في حياة السوريين. ويشير الحسن إلى أن الحوالات المالية إلى سورية، والتي يبلغ متوسطها اليومي في الظروف العادية نحو 10 ملايين دولار، ترتفع خلال المواسم الدينية كشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، إضافة إلى الأعياد المسيحية، لتتجاوز حالياً 25 مليون دولار يومياً مع اقتراب المواسم. ويضيف أن الأسبوع الذي يسبق هذه الفترات يشهد زيادة كبيرة في تحويلات المغتربين بهدف تغطية الاحتياجات المعيشية وشراء الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، ما ينعكس بشكل واضح على حركة شركات الصرافة في مختلف المحافظات السوريَّة.
وبحسب الحسن، فإن تدفق القطع الأجنبي خلال هذه الفترات قد ينعكس على سعر الصرف عبر تحقيق حالة من الاستقرار المؤقت في السوق، إلا أن هذا الاستقرار يبقى محدوداً زمنياً، لأن استقرار الليّرة الحقيقي يحتاج إلى عوامل أعمق ترتبط بزيادة الإنتاج، ومرونة التشريعات المالية والمصرفية، واستعادة الثقة بقرارات مصرف سورية المركزي.
ضغط معيشي
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش أن الحوالات الخارجية إلى سورية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الفترة التي سبقت المواسم، ضمن ما يُعرف بـ”حوالات العيد” أو “حوالات الأضاحي”، لكنه يشير إلى أن هذه الزيادة تبقى أقل من مثيلاتها في العام الماضي نتيجة الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السوريون في بلدان الاغتراب.
ويقول عربش لـ”المدن” إن الحوالات تشكل اليوم “شريان حياة أساسي” لملايين الأُسر السوريَّة، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، لافتاً إلى أن متوسط الحوالات اليومية خلال هذه الفترات يصل إلى نحو 20 مليون دولار، مقارنة بمعدل يتراوح بين 6 و8 ملايين دولار في الفترات العادية، مع زيادات موسمية تاريخياً بين 30 و40 بالمئة.
ويضيف أن المفارقة هذا العام تتمثل في أن الطلب على الحوالات يرتفع مقابل تراجع القدرة الفعلية للمغتربين على التحويل، نتيجة التضخم العالمي وارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا ودول الخليج وأوروبا، إلى جانب اضطرابات الأسواق العالمية وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على تغطية الاحتياجات داخل سورية مع انخفاض التمويل.
ويعتبر عربش أن قرار مصرف سورية المركزي الصادر في نيسان الماضي، والقاضي بإلزام شركات الحوالات الرسمية بتسليم الحوالات بالليّرة السوريَّة فقط بدلاً من العملات الأجنبية، أدى إلى تراجع الثقة بالقنوات الرسمية، موضحاً أن المستفيدين يخسرون جزءاً مهماً من قيمة تحويلاتهم بسبب الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى وصف القرار بأنه “ضريبة على الفقراء”.
طلب مبالغ إضافية من المغتربين
ويشرح عربش أن الأرقام الحالية تكشف حجم الفجوة، إذ إن المغترب الذي يرسل 100 دولار عبر القنوات الرسمية يحصل ذويه على نحو 1.13 مليون ليّرة سوريَّة فقط، بينما تصل القيمة في السوق غير الرسمية إلى نحو 1.39 مليون ليّرة، بفارق يقارب 260 ألف ليّرة، أي خسارة تعادل نحو 23% من قيمة الحوالة. ويؤكد أن هذا الفارق يشكل حافزاً قوياً للعودة إلى شبكات التحويل غير الرسمية أو تهريب العملات عبر الحدود، ما يضعف دور النظام المصرفي ويعزز السوق الموازية.
وبحسب عربش، فإن هذه السياسات ساهمت في تعزيز السوق الموازية بدلاً من دعم القنوات الرسمية، ما أدى إلى خروج جزء من القطع الأجنبي خارج النظام المصرفي، وإضعاف قدرة المصرف المركزي على التأثير في سوق الصرف والسياسة النقدية. كما انعكس ذلك بشكل مباشر على العائلات السورية عبر تآكل قدرتها الشرائية وتراجع الإنفاق خلال المواسم.
ويضيف أن كثيراً من الأُسر باتت تطلب مبالغ إضافية من أقاربها في الخارج لتعويض خسائر فرق الصرف، في حين يواجه المغتربون أنفسهم ضغوطاً معيشية متزايدة، ما يدفع آخرين إلى تقليص التحويلات أو الاكتفاء بالحد الأدنى.
ويخلص عربش إلى أن الحوالات ستواصل الارتفاع خلال الفترة المقبلة ولكن بوتيرة أقل من العام الماضي، داعياً إلى إعادة النظر بآلية تسليمها، بما يتيح خيار الاستلام بالدولار مقابل رسوم رمزية، إلى جانب تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي عبر سياسات نقدية أكثر مرونة. كما يشدد على أن الحل الأهم يبقى في دعم الإنتاج المحلي وخفض التكاليف وخلق فرص عمل، لتخفيف الاعتماد المتزايد على الحوالات كمصدر أساسي للدخل.
تفاوت جغرافي في شركات الصرافة
وبالتوازي مع ارتفاع الطلب على خدمة الحوالات، تتوزع شركات ومكاتب الصرافة المرخصة بشكل متفاوت بين المحافظات السورية. ففي دمشق تتركز 36.4% من الشركات المرخصة و9.1% من المكاتب، مقابل 54.4% من الجهات الحاصلة على تراخيص مبدئية.
أما حلب فتضم 25% من الشركات المرخصة و12.5% من المكاتب، إلى جانب 62.5% من الشركات ذات الترخيص المبدئي. وفي حمص تتوزع النسب بشكل شبه متساوٍ بين الشركات والمكاتب المرخصة، فيما تسجل اللاذقية أعلى نسبة تراخيص مبدئية بنحو 80% مقابل 20% فقط للشركات المرخصة.
ووفق تقديرات البنك المركزي، سجّلت الحوالات الخارجية إلى سوريا مستويات تتراوح بين 1.5 و2.5 مليار دولار سنوياً خلال العقد الأخير، مع بلوغها ذروة تقارب 2.4 مليار دولار في عام 2018. وتشير التقديرات إلى أن هذه التدفقات بقيت أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي، فيما تتوزع مصادر هذه الحوالات جغرافياً على ثلاث دوائر رئيسية ، حيث تتصدر تركيا ولبنان والأردن، قائمة المصادر الأكثر نشاطاً بفعل سهولة التحويلات النقدية المباشرة، تليها دول الخليج العربي مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر، باعتبارها من أهم أسواق العمل للسوريين ومصدراً مستقراً للعملة الصعبة. ثم تأتي الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا والسويد وفرنسا والنمسا، والتي برز دورها بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة مع توسع الجاليات السورية وارتفاع معدلات الاندماج في سوق العمل هناك.



