الرئيسية اقتصاد عربي 30 تموز يقترب.. ماذا ينتظر الليرة السورية؟

30 تموز يقترب.. ماذا ينتظر الليرة السورية؟

تسابق الساعة النقدية في دمشق الزمن وهي تقترب من تاريخ 30 تموز، الموعد الذي حدده مصرف سوريا المركزي لتجريد الأوراق النقدية القديمة من قوتها الإبرائية قانوناً. ومع تزايد التساؤلات حول مصير السوق، تبذل السلطات النقدية جهوداً لتسويق عملية استبدال العملة التي بدأت مطلع عام 2026 بموجب المرسوم رقم 293 لعام 2025، بوصفها خطوة إصلاحية نحو التحديث الرقمي والامتثال المالي الدولي. لكن الواقع الاقتصادي على الأرض يطرح تحديات ملموسة، فالليرة السورية التي تستعد لخلع صفرين من قيمتها الاسمية لتتحول حسابياً بنسبة مئة إلى واحد، تخوض هذه التجربة في ظل حاجة ماسة لإنعاش الإنتاج، والحد من الركود، وتضييق فجوة الأسعار التي تؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

سباق الأرقام والتدفق اللوجستي

تتحدث البيانات الرسمية عن إنجاز استبدال ما يقارب 80% من العملة القديمة قبل انتهاء المهلة المحددة، وهو رقم يراه الباحث الاقتصادي محمد العلبي دليلاً على سرعة التنفيذ اللوجستي والتشغيلي فقط، ولا يكفي للحكم بنجاح السياسة النقدية أو ضبط التضخم. ويوضح العلبي لـِ “المدن” أن “المصرف المركزي لم ينشر بيانات تفصيلية حول حجم النقد المسحوب أو الجديد المصدر، ولا نسبة الأموال العالقة خارج التداول وأثرها على عرض النقد”، معتبراً أن “الهدوء الحالي في الأسعار ناتج عن تجفيف قسري للسيولة وانكماش نقدي يقمَع الطلب مؤقتاً ويتسبب بركود يعوق الإنتاج”.

وينبه العلبي إلى “أن هذه السياسة تؤجل الأزمة ولا تعالجها، فحين تعود السيولة لاحقاً لملاحقة معروض شحيح من السلع، سيندفع السوق نحو الاستيراد، مما يمهد لانفجار جديد في سعر الصرف وأزمات وفرة في المواد الأساسية”. ويحذر أيضاً من ولادة سوق خصم موازية للعملة القديمة ومضاربات خطيرة بعد 30 تموز، حيث سيعمد وسطاء إلى شراء الأوراق القديمة من المواطنين بأقل من قيمتها الاسمية لتصريفها بمعرفتهم لدى المركزي، مستغلين غياب أدوات الرقابة الفعالة.

شبح القائمة الرمادية

يتزامن الترويج للعملة الجديدة مع خطاب رسمي يركز على مكافحة غسيل الأموال وامتثال سوريا لمتطلبات مجموعة العمل المالي (FATF) للخروج من القائمة الرمادية. وفي تعليقه يعتبر محمد العلبي أن الخروج مسار مؤسساتي، تشريعي، وقضائي متكامل، وليس مجرد قرار إداري. ويلفت العلبي إلى أن “القطاع المالي المحلي لا يلبي حالياً سوى شرطين أو ثلاثة من توصيات المجموعة الأربعين، مما يجعل التصريحات الحالية مجرد شعارات لإبداء النية”.

وفنياً، يوضح العلبي أن البلاد تحتاج لإعادة بناء منظومة امتثال شبه كاملة، تشمل تحديث إجراءات “اعرف عميلك”، وتحديد المالك المستفيد الحقيقي، ومنح هيئة مكافحة غسيل الأموال استقلالية قضائية تتيح لنوابها إحالة المشتبهين للقضاء مباشرة، فضلاً عن ضبط شركات الصرافة والمحافظ الإلكترونية. ويخلص إلى أن الكلفة التشريعية والفنية ستكون مرتفعة جداً لتعديل قوانين كبرى كـ “النقد والتسليف” من دون التسبب بأزمة في قطاع مصرفي متداعٍ بالأصل، مقدراً الفترة الزمنية المطلوبة لإظهار نتائج قابلة للتقييم بما لا يقل عن عامين إلى ثلاثة أعوام، وقد تطول في حال بقاء الإصلاحات المجزأة وضمان وغياب استقلالية القضاء مع استمرار التباس الملكيات الحقيقية للشركات والواجهات الاقتصادية.

حذف الصفرين وكبح الدولرة

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أن “الشكل الجديد للعملة لن يكبح الدولرة أو يعيد الثقة بمجرد تغيير الورق، لكون الدولرة سلوكاً دفاعياً يلجأ إليه الناس حين تفقد عملتهم وظيفتها كمخزن للقيمة”. ويبين أن الليرة خسرت أكثر من 99.6% من قيمتها بعدما انهار سعر صرفها من 47 ليرة للدولار قبل 2011 إلى نحو 12,250 ليرة رسمياً و13,200 ليرة في السوق الموازية خلال تموز الجاري، مؤكداً أن الأسر لا تقنع بورقة أنظف شكلاً بل تحتاج دليلاً على حفظ قوتها الشرائية.

ويوضح عبد الكريم لـِ “المدن” أن حذف الصفرين مجرد “إعادة تسمية” فنية تحول الدولار رسمياً إلى 122.50 ليرة جديدة بدل 12,250 قديمة دون تغيير في القيمة الحقيقية، في وقت باتت فيه الدولرة عرفاً راسخاً في تسعير العقارات، والسيارات، والتجارة الكبيرة. ويشير إلى أن بقاء الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بنسبة 7% إلى 9% يعكس تفوق الطلب على الدولار كمخزن للقيمة، جازماً بأن كسر هذا العرف يتطلب ثلاثة شروط غائبة، هي: استقرار طويل لسعر الصرف، ومعدل فائدة حقيقي، وتضخم منخفض، ومن دونها سيبقى الدولار خيار الادخار الأول وتنحصر الليرة الجديدة في المعاملات الصغيرة.

مخاطر الخمس سنوات وظل السوق الموازية

وحول مهلة الاستبدال الممتدة، يرى محمود عبد الكريم أن “بقاء حق استبدال الكتلة القديمة لدى المصرف المركزي لخمس سنوات يخلق سوقاً موازية لتصريفها بأسعار بخسة”. ويوضح بالأرقام أن بقاء نحو ثلث الكتلة النقدية المستهدفة (ما يعادل 14 تريليون ليرة من أصل 42 تريليوناً) خارج القنوات الرسمية حتى منتصف حزيران بنسبة استبدال بلغت 66%، يفتح الباب أمام المضاربين. فهناك شريحة تتجنب الإيداع الرسمي عمداً خشية التدقيق الأمني والمالي في مصادر أموالها، كأصحاب الثروات غير الموثقة والشركات، وهؤلاء سيلجأون لوسطاء لشراء أوراقهم القديمة بخصم يتراوح بين 20% و40% من قيمتها الاسمية تجنباً لعناء المراجعة الرسمية. ويخلص عبد الكريم إلى أن تعقيد الإجراءات المصرفية سيوسع هذا الخصم، مما يحول مهلة السنوات الخمس إلى نافذة طويلة تغذي المضاربة على الـ 14 تريليون ليرة العالقة بدلاً من تسوية وضعها سريعاً.

كبح التضخم أم إجراء تجميلي؟

ويجزم عبد الكريم بأن “استبدال العملة لن يكبح التضخم، لكونه يعبر عن خلل بنيوي بين كتلة النقود المتداولة والمعروض الشحيح من السلع. ورغم تراجع التضخم السنوي إلى 11.5% عام 2025 مقارنة بـِ 72.1% عام 2024 وفق البنك الدولي، إلا أن هذا المؤشر يخفي تسارعاً ربعياً خطيراً؛ إذ ارتفعت كلفة سلة الإنفاق الأساسية خريف 2025 إلى 2.2 مليون ليرة قديمة (22 ألف ليرة جديدة)، وبمعدل زيادة ربعية تراوح بين 6% و7%”.

ويعزو عبد الكريم هذا الضغط إلى شلل الإنتاج المحلي وشح التصدير الذي يفرض الاعتماد على الاستيراد المغطى بالقطع الأجنبي، مؤكداً أن حذف الصفرين إجراء تجميلي ومحايد لا يضيف سلعة واحدة للسوق، وهو ما يثبته إعلان المركزي بأن احتياطي الذهب البالغ 26 طناً يوازي قيمة الكتلة المطبوعة؛ أي إعادة تنظيم لغطاء نقدي قائم. ويخلص إلى أن الخطوة تقتصر على تبسيط الحسابات وخفض كلفة طباعة الأوراق النقدية لتسهيل المناورة بالفئات مستقبلاً، بينما يتطلب الكبح الحقيقي حزمة اقتصادية تحفز الإنتاج، وتولد النقد الأجنبي عبر التصدير، والاستثمار، وضبط نمو المعروض النقدي.

مصير الودائع وتدفق الحوالات الخارجية

أما عن الودائع والأنظمة المصرفية، فيطمئن عبد الكريم بأنها بعيدة عن خطر الاقتطاع لكونها أرصدة دفترية لا نقدية؛ إذ ستُحوّل تلقائياً عبر شطب صفرين بنسبة ثابتة (100 إلى 1)، ليتحول المليون القديم إلى 10 آلاف ليرة جديدة دون تغير في قيمته الحقيقية. لكنه ينبه إلى أن القلق الفعلي يرتبط بملاءة الجهاز المصرفي وقدرته على تلبية السحوبات النقدية، في وقت لا يغطي فيه الحد الأدنى للأجور البالغ 7500 ليرة جديدة (نحو 67 دولاراً) سوى 10% من كلفة المعيشة الأساسية.

فيما لن تتأثر الحوالات الخارجية سلباً وفقاً للخبير الاقتصادي، بل ستصبح أكثر انضباطاً لدخولها بالقطع الأجنبي، وهي تمثل شريان الحياة لنحو 90% من الأسر السورية لسد فجوة معيشية شهرية تقارب 7 ملايين ليرة قديمة (70 ألف ليرة جديدة). وما سيتغير بعد 30 تموز هو إلزام الشركات بتسليم الليرة الجديدة حصراً، وهذا ما يقطع الطريق على تمرير الورق القديم. ويخلص عبد الكريم إلى أن الخطر الأساسي يكمن في سعر الصرف المعتمد؛ فبقاء الفجوة بين السعر الرسمي (122.5 ليرة جديدة للدولار) والموازي (نحو 132 ليرة جديدة) بنسبة 7% إلى 9%، يكبد الأسر خسارة تقدر بـِ 85 ألف ليرة قديمة (850 ليرة جديدة) عن كل 100 دولار، وهذا ما يجعل ردم هذه الفجوة المعيار الحقيقي لضمان وصول الدعم لمتلقيه.

انفتاح باريس ومحك البيئة الاستثمارية

وفي أبعاد الانفتاح الخارجي، يربط محمد العلبي بين الاستقرار النقدي والحديث الرسمي عن شراكات استراتيجية مرتقبة مع شركات فرنسية في قطاعات حيوية كـَ الطاقة، والبنية التحتية، والاتصالات، والصناعات الدوائية. ويرى أن مهمة المركزي تكمن في توفير بيئة تمنح الثقة، لكن المستثمر الأجنبي والمحلي لن يكتفي بالخطابات؛ بل يحتاج لضمانات واضحة حول آليات إدخال الأموال وتحويل الأرباح، واستقرار أسعار الصرف والضرائب، وجودة النظام القضائي عند النزاعات.

ويخلص العلبي إلى أن التحدي الأكبر لا يقتصر على استقرار الليرة، بل يكمن في إصلاح البيئة الاستثمارية ككل وتفكيك منظومة “رأسمالية المحاسيب” والمحسوبيات، مؤكداً أن “المحك الحقيقي لجدية هذه الطروحات يبدأ من مؤشرات أساسية غائبة كضمان شفافية المناقصات، والإفصاح عن المالكين المستفيدين، وتأمين قضاء تجاري مستقل يفرض سيادة القانون فوق مراكز النفوذ، وهو واقع ما تزال البلاد بعيدة عنه”.

مصدرالمدن - رهام علي
المادة السابقةجغرافيا الفرصة المسيحية! الساحل يستفيد من خرائط النقل