الرئيسية اقتصاد دولی 5000 دولار… والذهب في الصدارة

5000 دولار… والذهب في الصدارة

في لحظةٍ بات فيها الذهب عند مستويات تُقارب الـ 5000 دولار للأونصة، لم يعد السؤال مقتصرًا على لماذا ترتفع المعادن الثمينة، بل أصبح: ما الذي تغيّر في النظام الاقتصادي والمالي العالمي ليجعل مثل هذه المستويات قابلة للتحقيق أصلًا؟ وما هي الانعكاسات والتداعيات المتوقعة من جرّاء هذا الصعود القياسي؟

بين تشدّدٍ نقديّ لم يحسم اتجاهه بعد، وعوائد حقيقية متقلّبة، وتوترات جيوسياسية تعيد تعريف مفهوم الملاذ الآمن، عاد الذهب والفضة إلى قلب المعادلة الاستثمارية كأدوات قياس لقلق أعمق من مجرّد دورة أسعار. فهذه التحرّكات لا تعكس مضاربات قصيرة الأجل فحسب، بل تختزن تحوّلات هيكلية في سلوك البنوك المركزية والمستثمرين، وفي علاقة الأسواق بالمخاطر والسيولة والتضخم.

فما هي العوامل الرئيسة وراء تقلّبات الذهب والفضة حاليًّا؟ الخبير في المخاطر المصرفية محمد فحيلي، يُعدّد أبرز هذه العوامل، وهي على النحو الآتي:

توقعات سياسة الاحتياطي الفدرالي الأميركي: حيثُ إن أيّ تعديل في مسار خفض أو رفع أسعار الفائدة ينعكس مباشرة على كلفة الفرصة البديلة لحيازة معدن لا يدرّ عائدًا.

تاريخيًا، يميل الذهب والفضة إلى الارتفاع عندما يضعف العائد الحقيقي أو يتراجع الدولار الأميركي، والعكس صحيح. ومع ذلك، قد تظهر فترات انفصال موقتة عن هذه العلاقة التقليدية بفعل التوترات الجيوسياسية أو ارتفاع الطلب الرسمي. إن استمرار مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب تحوّل محافظ المستثمرين نحو الذهب كأداة تحوّط، يشكّل دعمًا هيكليًا للأسعار ويزيد حساسيّتها للأخبار الاقتصادية والنقدية.

كما أن التصعيد السياسي أو العسكري يضيف علاوة مخاطر سريعة إلى أسعار المعادن، وغالبًا ما يتمّ سحبها بالسرعة نفسها عند التهدئة أو تبدّل المزاج السياسي.

بالنسبة إلى الفضة، ومع الأخذ في الاعتبار صِغر حجم السوق، وكون الفضة معدنًا صناعيًا بامتياز، إضافة إلى قيود العرض (إذ يُنتَج جزء كبير منها كمنتج جانبيّ لمعادن أخرى)، يجعلها أكثر عرضة لتقلّبات حادّة مقارنة بالذهب.

ماذا عن الاتجاه العام؟

إذًا، هل الاتجاه العام تصاعديّ أم مجرّد تقلّبات قصيرة؟ في ما يتعلّق بالذهب، يُوضح فحيلي لـ “نداء الوطن”، أن “الاتجاه العام يبدو صاعدًا ضمن سردية تمتدّ من 2025 إلى بداية 2026، مدفوعًا بالتحوّط، وطلب البنوك المركزية، واهتمام المستثمرين. ومع ذلك، تبقى التصحيحات القصيرة محتملة في حال تغيّرت توقعات الفائدة أو تراجعت المخاطر الجيوسياسية”.

وأمّا في ما يتعلّق بالفضة، فهو يُشير إلى أنها “تميل إلى تسجيل اندفاعات أقوى تليها تصحيحات أعنف. قد تشارك الذهب الاتجاه الصاعد، لكن سلوكها يبقى أكثر تذبذبًا بفعل الوزن الكبير للطلب الصناعي”.

تأثير الفائدة الأميركية

عن تأثير الفائدة الأميركية، يلفت فحيلي إلى أن “الذهب أكثر حساسية لمسار أسعار الفائدة والعائد الحقيقي، إذ يُعامل كأصل نقدي وتحوطّي. عادةً ما يشكّل انخفاض العائد الحقيقي بيئة داعمة لأسعاره. في حين أن الفضة تتأثر أيضًا بالفائدة، لكن التضخم والنشاط الصناعي يضيفان طبقة تعقيد إضافية. فإذا ترافق التضخم مع تباطؤ اقتصادي، قد يتراجع الطلب الصناعي، ما يزيد من تذبذب الأسعار”.

والسؤال المطروح دائمًا: هل لا يزال الذهب ملاذاً آمنًا؟ وماذا عن الفضة؟

يرى فحيلي أن “الذهب لا يزال الملاذ الآمن الأكثر رسوخًا بفضل سيولته العميقة، ودوره كاحتياطي رسمي، وارتباطه القوي بسردية التحوّط في أوقات عدم اليقين. بينما الفضة تُستخدم كأداة تحوّط جزئية، لكنها أقرب إلى سلعة صناعية. في حالات الذعر المالي الحادّ، غالبًا ما يظهر الذهب ثابتًا نسبيًا أكبر”.

ويلفت فحيلي إلى أن “الفضة تعتمد بشكل واضح على الطلب الصناعي (الطاقة الشمسية، الإلكترونيات، والتقنيات الحديثة)، ما يجعلها شديدة التأثر بدورات النمو والاستثمار العالمي. في المقابل فإن الذهب ورغم تعدّد استخداماته (مجوهرات، استثمار، احتياطي)، يبقى العامل الصناعي أقل تأثيرًا على تسعيره مقارنة بعوامل التحوّط والسيولة والطلب الرسمي”.

سلوك المستثمرين خلال الأزمات

في الأزمات، يتجه المستثمرون عادةً إلى الذهب أوّلًا لتقليص مخاطر المحافظ والاستفادة من سيولته العالية.

أما الفضة، فتتحرّك وفق سيناريويْن:

إذا كانت الأزمة مالية وتترافق مع تباطؤ صناعي حاد، فقد تتراجع أو تتأخر في الصعود.

إذا ترافقت الأزمة مع توسّع نقديّ أو موجة تضخميّة لاحقة، فقد تلحق بالذهب ثم تتفوّق عليه مرحليًا.

يُرجّح فحيلي سيناريويْن: “سيناريو تراجع العوائد الحقيقية، استمرار التوترات السياسية والجيوسياسية، ومواصلة الشراء الرسمي: يرجّح استمرار تفوّق الذهب.

سيناريو تعافٍ صناعيّ وتقنيّ مع استمرار شحّ معروض الفضة: قد تتفوّق الفضة من حيث النسب المئوية، لكن مع تقلّبات أعلى”.

في الختام، يُعدّد فحيلي أبرز المخاطر قبل الاستثمار في الذهب أو الفضة، وهي:

“تقلّبات أعلى في الفضة بسبب صِغر السوق وثقل الطلب الصناعيّ. مخاطر مفاجآت أسعار الفائدة وقوة الدولار. احتمالات التصحيح السريع بعد موجات صعود قويّة، خصوصًا في الفضة. مخاطر الأداة الاستثمارية (سبائك وعملات، صناديق مؤشرات، عقود آجلة) من حيث الرسوم، الرافعة المالية، مخاطر الطرف المقابل، وفروق الأسعار. ومخاطر التخزين والتأمين والسيولة المحلية، إضافة إلى مخاطر سعر الصرف في حال اختلاف عملة الدخل أو المدّخرات”.

في النهاية، لا تبدو تحرّكات الذهب والفضة مجرّد انعكاس لدورات أسعار تقليدية، بل هي تعبير عن تحوّلات أعمق في علاقة الأسواق بالمخاطر، والسيولة، ودور السياسة النقدية في عالم يزداد هشاشة. وبينما قد يستمرّ الذهب في أداء دور الملاذ الأكثر وضوحًا، وتبقى الفضة أسيرة مزيج التحوّط والصناعة، يبقى السؤال الجوهري مفتوحًا: هل نشهد مرحلة إعادة تسعير طويلة الأمد لقيمة المعادن الثمينة، أم أن الأسواق لا تزال تشتري الوقت بانتظار وضوح أكبر في اتجاهات الاقتصاد العالمي؟

مصدرنداء الوطن - رماح هاشم
المادة السابقةماذا نأكل… ومن أين نستورد ؟
المقالة القادمةعيسى الخوري يدعو لاستخدام ذهب مصرف لبنان لردّ أموال المودعين