لم تبقَ أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الإقليمية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، محصورة في الأسواق العالمية، بل سرعان ما انعكست مباشرة على حياة المواطنين، مع تصاعد الضغوط المعيشية واتساع دائرة الغلاء. فارتفاع أسعار النفط والغاز لم يعد مجرد أرقام في التقارير، بل تحوّلت إلى عبء يومي يظهر في فواتير النقل والكهرباء وأسعار السلع الأساسية، وهذا ما يضع الأسر أمام تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها.
وقد انعكست الزيادة في أسعار النفط والغاز والبالغة أكثر من 60 في المئة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، قبل أن تعود إلى نحو 30 في المئة، على جيوب المواطنين في غالبية الدول وامتد أثرها إلى صميم الحياة اليومية عبر موجة تضخم، وارتفاع في تكاليف الإنتاج والنقل وحتى أبسط السلع التي يتم استهلاكها يومياً.
وهذه أبرز التأثيرات المباشرة لارتفاع أسعار الطاقة عالمياً:
ارتفاع أسعار المحروقات
أدى انخفاض معروض النفط والغاز في الأسواق العالمية، إلى ارتفاع أسعار الطاقة مثل البنزين والديزل والكهرباء ما يعني المزيد من الضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة. وعلى سبيل المثال، في الصين ارتفعت أسعار البنزين والديزل، وزادت بنسبة 12 دولاراً أميركياً، وهي زيادة قياسية لم تعرفها البلاد منذ سنوات، في الولايات المتحدة ارتفع سعر غالون البنزين إلى 5 دولارات وهو الأعلى منذ أربع سنوات. في لبنان، ارتفع سعر صفيحة البنزين من 16 دولاراً، قبل الحرب، إلى أكثر من 27 دولاراً.
ارتفاع تكاليف النقل والشحن
انعكست أزمة الطاقة، على تكاليف النقل والشحن العالمي، حيث ارتفعت التكاليف بشكل ملحوظ، نتيجة الزيادة في رسوم شحن الحاويات وتكاليف تأمين أعلى بسبب المخاطر الأمنية في المنطقة. هذا الارتفاع في تكاليف الشحن، ينعكس بسرعة على الأسواق المحلية في دول تستورد معظم سلعها من الخارج، مثل لبنان وسوريا، حيث يستورد لبنان أكثر من 80% من احتياجاته عبر ممرات بحرية باتت مهددة.
الضغط على أسعار السلع الاستهلاكية
من التداعيات المباشرة لأزمة الطاقة، زيادة في أسعار السلع والبقالة في الأسواق، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية، وقد بدأ موجات غلاء جديدة تضرب عدة دول من ضمنها مصر، الأردن، سوريا، العراق، لبنان. وتعتمد هذه الدول على استيراد العديد من السلع الاستهلاكية الاستراتيجية مثل القمح، الشعير وغيرها، وبدأت ترتفع الأسعار، وقد شهد لبنان زيادة في سعر الخبز ومختلف أسعار المواد الغذائية.
وقد تحدثت مؤسسات دولية مثل برنامج الغذاء العالمي (WFP) عن ضغوط عامة على أسعار الغذاء والخبز في المنطقة بسبب ارتفاع تكاليف النقل والطاقة الناتج عن الحرب، مما يزيد تحديات الأمن الغذائي في دول مثل لبنان وسوريا والعراق.
ارتفاع أسعار الصناعات البتروكيميائية
ومن الألعاب إلى الأدوات البلاستيكية، الثياب، وغيرها الكثير من السلع الرئيسية بدأت ترتفع أسعارها، نتيجة ارتفاع سعر مادة “الإيثيلين” المادة الأساسية في الصناعات البتروكيميائية، بنسبة 50 في المئة، منذ بدء الحرب،
كما قفزت أيضاً مكونات أساسية أخرى للبلاستيك. مثل مادة البروبلين المستخدم في تصنيع عبوات البلاستيك، بنسبة 30 في المئة. وستظهر الزيادات في هذه المواد، تدريجياً على تكاليف التصنيع والنقل، وصولًا إلى المستهلك النهائي.
تأثر القطاع الزراعي
وقد كشفت تقارير دولية عن تأثر قطاع الأسمدة بارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قطاع الزراعة في جميع الدول التي تستورد الأسمدة، وبالتالي على أسعار الغذاء .حتى أن الدول المصنعة للأسمدة قد بدأت تتأثر بعد توقف العديد من مصانع الأسمدة في الخليج.
وتعتمد صناعة الأسمدة بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، الذي يشكل نحو 70 في المئة من مصادر إنتاجها. وقد أدى توقف الإمدادات الخليجية الى دول عديدة حول العالم، إلى ارتفاع سعر السلع الزراعية.
ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، تشكل الأسمدة نحو 50 في المئة من تكلفة إنتاج الحبوب في بعض الدول، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة الأسمدة يؤثر على قطاع الزراعة وعلى تكلفة المعيشة.
ارتفاع مستويات التضخم
وأظهرت بيانات واستطلاعات لمديري المشتريات في الاقتصادات الكبرى، ارتفاع مستويات التضخم، خلال شهر أذار، إذ أظهرت أن الحرب بدأت تترك آثاراً سلبية واضحة على النشاط الاقتصادي العالمي، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضبابية، وهذا ما يهيئ لموجة تباطؤ اقتصادي مصحوبة بارتفاع التضخم، وتواجه الاقتصادات ضربة مزدوجة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة من جهة، وإغلاق مضيق هرمز، وسياسة عدم اليقين من جهة ثانية، وتتعلق بارتفاع مستويات التضخم وضعف النمو.
ارتفاع تكلفة النقل الجوي
تتأثر حركة النقل الجوي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وقد بدأت فعلياً أسعار وقود الطائرات بالارتفاع بشكل ملحوظ. هذا الارتفاع ينعكس بطبيعة الحال على أسعار تذاكر السفر، وقد بدأت شركات الطيران في زيادة أسعار التذاكر، لتتماشى مع الأوضاع الجديدة.
نتيجة لذلك، تشهد أسعار تذاكر ارتفاعات في الأسعار، وهذا ما يؤثر على حركة السفر التجاري، ويزيد الضغط على الشركات التي تعتمد على السفر، كما يزيد الأعباء على الأسر التي تضطر إلى السفر والانتقال.



