ترك العدوان الإسرائيلي مدينة النبطية مُثقلةً بخرابٍ أصاب البشر والحجر، بعدما تحوّلت، على مدى أسابيع، إلى واحدة من أكثر المدن الجنوبية استهدافاً. فالمدينة التي تُعدّ القلب الإداري والاقتصادي لمحافظة النبطية، ونقطة التقاء عشرات البلدات والقرى الجنوبية، والتي لطالما شكّلت مركزاً للحياة التجارية والخدماتية في المنطقة، أصابتها الاعتداءات في أحيائها السكنية وأسواقها التجارية ومرافقها العامة وبنيتها التحتية. والآن، وعلى الرغم من «وقف إطلاق النار»، يبقى الخطر الأمني جاثماً على أجزاء من أطرافها الشرقية، خاصة في المنطقة التي تشرف عليها «تلال علي الطاهر»، ما يجعل من هذه المناطق غير آمنة لعودة السكان.
ولكنّ حجم الدمار لم يمنع المدينة من استعادة جزء من نبضها. فمع بدء عودة الأهالي، تبرز تحدّيات كبيرة، تتمثّل في إزالة الركام والنفايات، وإحياء المرافق والخدمات الأساسية التي عطّلها العدوان. وهذه المحاولات تُعالج بإمكانات البلدية والجمعيات الأهلية المحدودة، في ظل غياب خطة حكومية شاملة لمواكبة مرحلة التعافي وإعادة الحياة إلى المدينة.
«في النبطية أصيب أكثر من 11489 مُنشأة بأضرار»، يقول رئيس بلديتها عباس فخر الدين، والحصيلة الأولية تُظهِر تضرر 7200 وحدة سكنية، بينها 750 وحدة هُدّمت كلياً، و1450 تعرّضت لهدم جزئي، فيما تحتاج نحو 5000 وحدة إلى أعمال ترميم متفاوتة بين الشامل والبسيط. ولم يقتصر الدمار على القطاع السكني، إذ تكبّد القطاع التجاري خسائر جسيمة، مع تضرر 4250 محلاً تجارياً، بينها 450 محلاً مُهدّماً بالكامل، و800 محل تعرّضت لهدم جزئي، فيما يحتاج نحو 3000 محل إلى أعمال ترميم وإعادة تأهيل، ما يعكس حجم الضرر الذي أصاب الحركة الاقتصادية في المدينة. أمّا على صعيد الخسائر البشرية في النبطية، فبلغت 155 شهيداً، بحسب آخر إحصاءات البلدية، يقول فخر الدين.
وفي توصيفه لحجم الدمار، يؤكد فخر الدين أن «ما شهدته المدينة، لم يكن مجرد قصف طاول أحياء سكنية، بل عملية استهدفت شلّ الحياة في النبطية وضرب مركزها الاقتصادي والإداري، وتحويلها إلى مدينة خالية من سكانها»، حيث لم تقتصر الاعتداءات على المساكن والمؤسسات التجارية، بل امتدّت إلى المدارس الرسمية والخاصة، والمؤسسات العامة والحكومية، والمباني البلدية، ودور العبادة، والحسينيات، فضلاً عن قصف المقابر، وأماكن تجهيز الموتى، ومحطة للكهرباء. كما طاولت الاعتداءات البنى التحتية، فتضرّر نحو 7000 متر من كابلات شبكة كهرباء الدولة، و13000 متر من كابلات شبكات المولّدات، إلى جانب خروج مولّدين عن الخدمة وتضرر عشرة أعمدة كهرباء، فضلاً عن أضرار متوسطة في شبكة المياه نتيجة التسرّبات.
ولكن، مع «إعلان الهدنة» في 17 نيسان 2026، لم تنتظر بلدية النبطية التوصل إلى وقف شامل للأعمال الحربية، بل باشرت أعمالها منذ الساعات الأولى مدفوعةً بالعودة الفورية للأهالي. وفي حديثه مع «الأخبار»، يشير فخر الدين إلى أن «البلدية واكبت عودة السكان منذ اليوم الأول للهدنة على الرغم من عدم استقرار الوضع الأمني على أطراف المدينة، فباشرت فتح الطرقات بالتعاون مع فرق الدفاع المدني، قبل أن ينضم الجيش اللبناني في اليوم التالي لمؤازرة الأعمال الميدانية». ويضيف أنّ نسبة عودة الأهالي إلى المدينة تراوح، وفق آخر الإحصاءات البلدية، بين 45% و50%، فيما لا تزال الأحياء الشرقية المحاذية للنبطية الفوقا والمطلة على تلال علي الطاهر خالية من سكانها، بسبب استمرار المخاطر الأمنية واحتمال تجدّد الاعتداءات الإسرائيلية.
وفي سياق متصل، لم تقتصر جهود البلدية على إزالة آثار العدوان وفتح الطرقات، بل شملت إعادة تشغيل مقوّمات الحياة الأساسية في المدينة. وهنا، يوضح فخر الدين أن «فرق البلدية أنجزت إصلاح نحو 95% من الأعطال التي أصابت شبكة المياه، ما أعاد التغذية إلى معظم الأحياء، فيما تولّى أصحاب المولّدات الخاصة إعادة وصل الاشتراكات بالتوازي مع إعادة تشغيل شبكة كهرباء الدولة تدريجياً، الأمر الذي ساهم في إعادة التيار الكهربائي إلى غالبية المناطق الآمنة للسكن.
أمّا على صعيد الخدمات اليومية، فقد وضعت البلدية خطة لمعالجة النفايات التي تراكمت خلال فترة العدوان، فأزالت فرقها ما يقارب 180 شاحنة من النفايات من مختلف أحياء المدينة، قبل اعتماد برنامج يومي لجمعها. كما تواصل البلدية، بمؤازرة الفرق الإسعافية والجمعيات الأهلية، تنفيذ أعمال التنظيف الروتينية للشوارع والأحياء بشكل يومي، في محاولة لإعادة الحد الأدنى للحياة اليومية إلى مدينة التي لا تزال تلملم آثار واحدٍ من أعنف الاعتداءات التي شهدتها.



