الرئيسية اقتصاد دولی 80$ لبرميل النفط… سعر منطقيّ

80$ لبرميل النفط… سعر منطقيّ

لم يعد النقاش حول أسعار النفط محصورًا فقط بالتوترات الجيوسياسية أو بمخاطر الإمدادات في مضيق هرمز. بل بات يرتبط أيضًا بسؤال أكثر عمقًا: ما هو السعر الطبيعيّ أو المنطقيّ لبرميل النفط في عالم تغيّرت فيه كلفة كلّ شيء تقريبًا… من الشحن إلى الغذاء والتمويل والإنتاج؟

بعد موجات التضخم التي ضربت الاقتصاد العالميّ في السنوات الأخيرة، لم يعد ممكنًا النظر إلى أسعار النفط بالمنظار القديم نفسه، ولا قياسها فقط بما كانت عليه قبل عشر سنوات. وفي هذا السياق، يبدو أن السعر الأكثر توازنًا لبرميل النفط، بعيدًا من الحروب والاضطرابات الأمنية، يقع ضمن هامش يتراوح بين 75 و 85 دولارًا، مع اعتبار أن مستوى 80 دولارًا تقريبًا يمثل نقطة وسطية منطقية بين مصلحة المنتجين وقدرة الاقتصاد العالمي على التحمّل. هذا المستوى لا يبدو منخفضًا إلى درجة تهدّد استثمارات الطاقة وتضغط على موازنات الدول المنتجة، ولا مرتفعًا إلى حدّ يتحوّل معه النفط إلى عامل إضافي لتغذية التضخم العالمي.

المشكلة الأساسية أن كثيرين ما زالوا يقاربون أسعار النفط بالدولار الاسمي، لا بالدولار الحقيقي المعدّل وفق التضخم. فالسعر الذي يبدو مرتفعًا على الورق اليوم، ليس بالضرورة مرتفعًا بالمعنى الفعلي إذا ما قورن بقدرة الشراء الحالية. ومن هنا، فإن برميل النفط عند حدود 80 دولارًا اليوم، لا يعادل في أثره الاقتصادي أو في قيمته الحقيقية ما كان يمثله الرقم نفسه قبل سنوات. ذلك أن العالم كلّه بات أكثر كلفة: كلفة الإنتاج، وكلفة الخدمات النفطية، وكلفة النقل البحري، وكلفة الاقتراض والتمويل… وحتى كلفة العمالة والمواد المستخدمة في الصناعة الطاقوية.

ولهذا السبب، لم يعد ممكنًا اعتبار أسعار تتراوح بين 50 و 60 دولارًا “سعرًا طبيعيًا” بالمعنى السابق، إلّا إذا دخل العالم في تباطؤ اقتصادي حادّ أو تراجعت مستويات الطلب بشكل كبير.

أمّا في الظروف الاقتصادية العادية، فإن سعرًا دون هذا المستوى قد يكون مريحًا للمستهلكين والدول المستوردة، لكنه لا يشكّل بالضرورة نقطة توازن صحية للقطاع النفطي نفسه، وخصوصًا في ظلّ الحاجة المستمرّة إلى استثمارات ضخمة للحفاظ على الإنتاج الحالي وتعويض التراجع الطبيعيّ في الحقول القديمة.

في المقابل، لا يبدو أن الأسعار المرتفعة جدًّا، أي فوق 90 دولارًا للبرميل بشكل مستدام، يمكن وصفها أيضا بأنها “منطقية” في الظروف الطبيعية. فهذا المستوى يبدأ عادة بنقل الضغوط إلى مجمل الاقتصاد العالمي، من كلفة الشحن والنقل إلى أسعار الوقود والكهرباء، وصولًا إلى الزراعة والصناعة وسلاسل الإمداد، ما يعني أنه يتحوّل تدريجيًّا إلى محرّك إضافيّ للتضخم، ويضعف النموّ ويضغط على الدول المستوردة، وخصوصًا الاقتصادات الهشة والناشئة.

من هنا، تبرز فكرة “السعر التوازني” للنفط، أي السعر الذي يحافظ على حدّ أدنى من الربحية والاستقرار للمنتجين، من دون أن يتحوّل إلى عبء واسع على النموّ العالمي. وهذا السعر، في الظروف الحالية، يبدو أقرب إلى 80 دولارًا منه إلى 60 أو 100 دولار. فهو يعكس جزئيًّا التحوّلات التي أصابت الاقتصاد العالمي بعد كورونا، والحروب، وارتفاع الفوائد، واضطراب سلاسل التوريد، كما يعكس أيضًا أن الطاقة لم تعد تُنتج وتُنقل وتُمَوَّل بالكلفة نفسها التي كانت سائدة في الماضي.

مصدرنداء الوطن - عماد الشدياق
المادة السابقةاقتصاد الحرب: الأسعار إلى الأعلى
المقالة القادمةالمزارعون: لتعزيز التنسيق في توزيع الدعم