800 ألف ليرة شهرياً لـ200 ألف أسرة

موافقة البنك الدولي على قرض بقيمة 246 مليون دولار للبنان ليست كافية لتسلم الأموال وتوزيعها على الأسر الأكثر فقراً. المسار التشريعي معقد في ظل حكومة تصريف الأعمال، وليس واضحاً حتى اليوم كيف سيقرّ المجلس النيابي اتفاقية القرض. لكن، حتى لو حلّت هذه المسألة، فإن لوائح المستفيدين من القرض لم تنجز بعد. إذا كان الهدف دعم 200 ألف أسرة، فإن اللوائح المتوافرة حالياً لا تضم أكثر من 43 ألف أسرة. ورغم أن الزيارات الميدانية بدأت لدرس أوضاع نحو 300 ألف أسرة، سيحتاج ذلك في الحد الأدنى إلى ثلاثة أشهر. كل تلك العقد لم تمنع النقاش بشأن تسليم الأموال بالليرة بدلاً من الدولار. أما الحجة الحكومية فتشير إلى أن للقرض هدفين: دعم الأسر الأكثر فقراً ودعم الاقتصاد.

بعدما وافق مجلس أمناء البنك الدولي على اتفاقية قرض شبكة الأمان الاجتماعي للبنان والبالغة قيمته 246 مليون دولار، يفترض أن تسلك الاتفاقية الطريق نحو التنفيذ. لكنها طريق لن تكون سهلة، لا قانونياً ولا عملياً. في الحالات العادية، وبعدما وقّع وزير المال غازي وزنة محضر التفاوض حول بنود الاتفاقية (10/12/2020)، وبعد موافقة البنك الدولي على هذه البنود، يحيل وزير المال مسودة الاتفاقية إلى مجلس الوزراء الذي يفوّضه التوقيع على الاتفاقية النهائية. عدم وجود حكومة ينقل الأمر إلى الطريق الاستثنائية، حيث يُتوقع أن تحيل رئاسة مجلس الوزراء الاتفاقية إلى وزارة الخارجية لإبداء الرأي، قبل أن تفويض الوزير بالتوقيع. المشكلة أن وزارة المال لم تتسلم بعد نص الاتفاقية من البنك الدولي، كما أنها لم تعمد إلى ترجمتها قبل إحالتها إلى رئاسة مجلس الوزراء. في المبدأ، يمكن تنفيذ كل هذا خلال أيام. لكن بعد توقيع وزير المال، يُفترض إعادة الاتفاقية إلى مجلس الوزراء لإعداد مشروع قانون بشأنها وتحويله إلى مجلس النواب، وهنا لبّ المشكلة. فدوائر مجلس النواب لم يسبق أن وافقت على تسلّم مشروع قانون تعدّه حكومة مستقيلة، انطلاقاً من أن إحالة مشاريع القوانين لا تدخل في إطار المعنى الضيق لتصريف الأعمال. مع ذلك، ثمة من يأمل ممن شاركوا في المفاوضات مع صندوق النقد بأن يجد رئيس المجلس فتوى لهذا الأمر، نظراً إلى الأهمية القصوى للحصول على المبلغ، خصوصاً أن الرئيس نبيه بري كان شجّع على تحريك المفاوضات. ومن الخيارات المطروحة أن تعقد الحكومة جلسة استثنائية لإقرار مشروع القانون، إلا أن ذلك أيضاً دونه عقبات عديدة، أبرزها أن الرئيس حسان دياب لا يزال يرفض عقد اجتماع كهذا، وثانيها أن اجتماعاً كهذا سيفتح الباب أمام التشكيك في كل القرارات الاستثنائية التي اتخذت من دون اجتماع الحكومة. كذلك، هناك من يدرس إمكان تقديم الاتفاقية ضمن اقتراح قانون يقدم من عدد من النواب، إلا أن ذلك إن حصل يمثل سابقة، لأن عقد الاتفاقيات الدولية من صلب عمل السلطة التنفيذية.

تضخّم إضافي

مع افتراض تخطّي كل العقبات القانونية والدستورية وإقرار اتفاقية القرض، فإن أحداً لا يتوقع أن يصرف قبل ثلاثة أشهر، علماً بأن عملية توزيع المساعدات ستستغرق فترة مماثلة وربما أكثر. أضف الى ذلك أن لوائح المستفيدين لم تكتمل بعد. وللتذكير، فقد وافق البنك الدولي على اقتراح وزارة المال بدفع الأموال لمستحقيها بالليرة اللبنانية، وعلى سعر 6250 ليرة للدولار (60 في المئة زيادة على سعر المنصة). الغاية كانت الاستفادة من القرض بالدولار لتعزيز احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. لكن ذلك بدأ يثير اعتراضات عدة. الأول أن هذا الأمر سيزيد من التضخم الناتج عن طرح كتلة نقدية كبيرة بالليرة تفوق قيمتها 1500 مليار ليرة، فيما إذا وزعت المساعدات بالدولار يمكنها أن تسهم في خفض سعر الصرف، إضافة إلى أن تحويل قيمة القرض إلى الاحتياطي واستعمالها في إطار دعم سعر الدولار، سيعني عملياً سحب الدولارات من أيدي الأسر الأكثر فقراً وتوزيعها على كل المقيمين في لبنان.

مصادر في وزارة المال تؤكد أن برنامج دعم الأسر الأكثر فقراً برنامج حكومي تتكفل به الدولة، والقرض هو قرض للدولة اللبنانية، وبالتالي فإن الدولة، خلافاً لما يُشاع، لم تحرم المسجّلين في البرنامج من الدولارات، بل على العكس. فحرصاً منها على أن تكون المبالغ التي يحصلون عليها غير مجحفة لم تشأ أن تدفعها على أساس سعر المنصة، بل على أساس سعر 6250 ليرة للدولار. باختصار، تقول المصادر إن القرض، في هذه الظروف، يجب أن يكون له دوران: مساعدة الأكثر فقراً ومساعدة الاقتصاد. كل ذلك لا يلغي حقيقة أن البنك الدولي وافق على تمويل الأسر التي تنضوي في البرنامج بـ27 دولاراً للفرد، لكن الدولة اللبنانية ارتأت اقتطاع 30 في المئة من هذا المبلغ لصالح دعم السيولة في مصرف لبنان.

اللوائح غير جاهزة

كل النقاش المالي في ضفة وتنفيذ القرض في ضفة ثانية. القرض يفترض أن يموّل ما بين 140 ألف أسرة و160 ألفاً (معدل عدد أفرادها ستة أشخاص) لمدة سنة. لكن البيانات التي تُحدد هذه الأسر لا تزال في طور الإنجاز، إذ تجري وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع شركات خاصة زيارات منزلية لنحو 300 ألف أسرة، تمهيداً لتحديد الأسر المستفيدة من البرنامج.

البرنامج يعيل حالياً 43 ألف أسرة (تجري مراجعة البيانات الخاصة بها، بعدما تبين لدى توزيع الجيش للمساعدات المالية التي أقرّتها الحكومة، وجود أخطاء، ويتوقع أن يتراجع العدد إلى نحو 40 ألفاً). الاستمارات التي تُملأ ليست جديدة، وهي تعود إلى عام 2016، وتقيس مستوى الدخل الفعلي للأسر. لكن جرى تعديل علامات التقييم المتعلقة بالمعلومات. والأهم أن هذا التقييم لم يعد يتعامل مع وجود ما يسمى خط الفقر المدقع (كان سابقاً يقدر بـ5.7 دولارات للفرد)، الذي كان يُقدّر وجود بين 8 و12 في المئة من العدد الإجمالي للأسر تحت هذا الخط. الآلية اليوم تغيّرت. لا علامات تشير إلى أن هذه الأسرة تحت خط الفقر المدقع وتلك ليست كذلك، أي لا علامات رسوب وعلامات نجاح، بل يجري التقييم كما لو أنه مباراة. يتم تحديد عدد الأسر التي يمكن مساعدتها، ثم تُفرز الاستمارات التي تُناسب هذا العدد، اعتماداً على العلامات التي حصلت عليها الأسر المشمولة بالإحصاء.

بحسب «إسكوا»، فإن 23 في المئة من السكان يعيشون في فقر مدقع، وهذا يعني تقريباً 200 ألف أسرة (لا إحصاء دقيقاً لعدد الأسر في لبنان، لكنها تراوح بين 900 ألف أسرة ومليون)، وهو العدد المتوقع أن يُضم إلى برنامج الدعم المالي للأسر الأكثر فقراً. لكن في الوقت الحالي، فإن من بين الـ43 ألف أسرة التي تستفيد من بطاقة «حياة» (برنامج مموّل من الخزينة بقيمة 8 مليارات ليرة سنوياً) التي تخوّل حاملها الحصول على تغطية فروقات الاستشفاء التي تدفعها وزارة الصحة أو الهيئات الضامنة إن وجدت، إضافة إلى تغطية تكاليف التسجيل في المدارس الرسمية، فإن هناك 15 ألف أسرة تحصل على 100 ألف ليرة للفرد (ستة أفراد كحد أقصى). المساعدة النقدية كانت حددت في السابق بـ27 دولاراً للفرد (40 ألف ليرة) لكن بعد انهيار العملة والتضخم، رفعت الوزارة المبلغ إلى 100 ألف، أي ما يعادل احتساب سعر الصرف بـ3900 ليرة.

800 ألف ليرة للأسرة

الجديد أن الدعم النقدي سيطال 50 ألف أسرة، بتمويل من الاتحاد الأوروبي الذي اعتبر أن الأوضاع الصعبة في لبنان تحتّم رفع عدد المستفيدين من البطاقات الغذائية. وقد تعهّد بدعم البرنامج لسنتين ونصف سنة، علماً بأن البطاقات الغذائية للـ15 ألف أسرة كانت مموّلة من ألمانيا وكندا وواهبين آخرين.

ضمن هذا السياق يأتي قرض البنك الدولي؛ فعدد الأسر الفقيرة يفوق بأضعاف الخمسين ألفاً، والطلبات الموجودة في وزارة الشؤون الاجتماعية، على ما يؤكد المدير العام للوزارة عبد الله أحمد، تصل إلى 300 ألف طلب للاستفادة من مشروع استهداف الأسر الأكثر فقراً. ولذلك، بدأت الوزارة بإجراء زيارات ميدانية لمنازل مقدمي هذه الطلبات. وهو مشروع يحتاج إلى ثلاثة أشهر لإنجازه في الحد الأدنى (500 شخص من العاملين في المشروع حالياً، ويتوقع أن يزيد العدد على ألف شخص بعد تعاقد الوزارة مع شركات متخصصة)، حيث يفترض أن ينضم منهم 150 ألف أسرة إلى البرنامج، أي ما يعادل 800 ألف شخص، لمدة سنة. ورغم أن حصة الفرد لم تتغير، أي سيحصل كل فرد على 100 ألف ليرة، إلى حد أقصى يصل إلى ستة أفراد، فإن 200 ألف ليرة إضافية ستدفع بشكل مقطوع لكل أسرة، بما يجعل المبلغ الشهري الإجمالي يصل إلى 800 ألف ليرة. لكن هذا المبلغ مع احتسابه على أساس 6250 ليرة للدولار يتبيّن أنه لا يساوي أكثر من 21.3 دولاراً للفرد (على أساس ستة أفراد لكل أسرة). وبالتالي، إما أن كل فرد سيحصل على ما يقارب 21 دولاراً شهرياً، أو أنه سيحصل على 27 دولاراً على أساس سعر صرف يبلغ 5000 ليرة. يخلص عاملون في البرنامج إلى الإشارة إلى أن ما يحكى عن تحديد سعر صرف ليس دقيقاً، فالمعيار الأول هو عدد المستفيدين من البرنامج، وأي ارتفاع في قيمة المساعدة النقدية سيعني تقليصاً لعدد المستفيدين والعكس صحيح. وحتى لو تقرر تسليم الأموال للمستفيدين بالدولار، يقول المصدر إن المبلغ الإجمالي المخصص للدعم من قبل البنك الدولي لن يكون كافياً لتمويل كل الفئة المستهدفة.

منح تربوية واجتماعية

تجدر الإشارة إلى أن 200 مليون دولار من أصل إجمالي قرض البنك الدولي ستخصص للمساعدات المالية (توزع بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمية)، فيما ستخصص 46 مليون دولار الباقية للمنح التربوية والاجتماعية، بحيث تتوسع دائرة الخدمات الاجتماعية لتشمل كل الأطفال في الحضانات، وصولاً إلى رعاية كبار السنّ، أما في ما يتعلق بالدعم التربوي، فسيشمل، إضافة إلى دفع الأقساط، دفع رسوم القرطاسية والنقل المدرسي والكتب…
تلك التحضيرات تتعلق بالأسر الرازحة تحت خط الفقر المُدقع، لكن البنك الدولي نفسه سبق أن قدّر عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر المطلق بـ55 في المئة، أو ما يعادل 550 ألف أسرة. هؤلاء لم يتم التطرق إلى كيفية مساعدتهم في ظل الأزمة الراهنة، خصوصاً أن الحديث عن بطاقات الدعم لا يزال في مهده، وقد لا يبصر النور أبداً، علماً بأن كل المؤشرات تؤكد أن أعداداً كبيرة من هذه الأسر تستمر في النزوح نحو الفقر المدقع، نتيجة البطالة والتضخّم.

مصدرجريدة الأخبار - إيلي الفرزلي
المادة السابقة“ألفا”: الخدمات مؤمنة طيلة فترة الإقفال العام
المقالة القادمة«التصريح عن الثروة» حتى نهاية شباط