خبراء الاقتصاد: لا دلالات على نموّ اقتصادي

في لحظةٍ سياسية واقتصادية يحاول فيها لبنان إعادة تقديم نفسه بعد سنوات الانهيار، قدّم رئيس الجمهورية جوزيف عون قراءة تفاؤلية لمسار التعافي

في لحظةٍ سياسية واقتصادية يحاول فيها لبنان إعادة تقديم نفسه بعد سنوات الانهيار، قدّم رئيس الجمهورية جوزيف عون قراءة تفاؤلية لمسار التعافي، مستنداً إلى مجموعة من المؤشرات قال إنّها تعكس تحسّناً تدريجياً و«إنجازات» في الأداء الاقتصادي خلال عام 2025، مثل نموٍّ اقتصادي يُقدّر بنحو 5%، ووفر أوّلي في عمليات الخزينة تجاوز المليار دولار، إلى جانب ارتفاع احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، وارتفاع سعر الذهب، وتحسّن في أداء قطاعات السياحة والصناعة والتجارة والتكنولوجيا. وعليها أعلن الرئيس «وضع الأمور على السكة».

الانتقال من عرض هذه المؤشرات إلى اعتبارها دليلاً على نموّ اقتصادي فعلي، يطرح إشكالية في مرجع القياس نفسه. ففي هذا الإطار، يرى رئيس حركة «مواطنون ومواطنات» شربل نحاس، أنّ «النمو يُقاس أولاً بمدى قدرة اللبناني على تأمين معيشته من خلال عمله». وعلى هذا الأساس، يرى أنّ اعتماد عام 2024 كقاعدة للمقارنة هو خطوة غير منطقية «لأنه عام استثنائي بفعل الحرب، ما يجعل أي تحسّن لاحق يبدو أكبر مما هو عليه في الواقع». كما يلفت إلى أنّ تحسّن بعض المؤشرات، ولا سيّما الإيرادات، لا يمكن فصله عن زيادة الاستيراد، وهو مسار لا يدلّ على تعافٍ مُنتِج بقدر ما يعكس استمرار نموذج اقتصادي استهلاكي.

يتقاطع هذا التشكيك في دلالات الأرقام مع قراءة مدير مبادرة «سياسات الغد» سامي عطالله، الذي يرى أنّ المؤشرات المالية المُعلنة لا تشكّل بحدّ ذاتها دليلاً كافياً على تحسّن اقتصادي فعلي. فبحسب عطالله، إنّ ارتفاع الإيرادات أو تسجيل وفورات في الخزينة لا يعني بالضرورة تحسّن الوضع الاقتصادي، خصوصاً حين يكون ناتجاً أساساً من تغيّر آليات الجباية. ويشير إلى أنّ جزءاً كبيراً من هذه الزيادة يعود إلى احتساب الضرائب والرسوم على سعر صرف أعلى، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على الضرائب غير المباشرة والرجعية، مثل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية، وهي ضرائب يتحمّل عبئَها المواطن العادي بالدرجة الأولى.

ويلفت عطالله إلى أنّ وفر الخزينة لا يُفصل عن تدفّق مساعدات خارجية لا تُدرج ضمن الموازنات الرسمية، وتشمل نفقات تشغيلية أساسية ولا تقتصر على دعم قطاعات محدّدة، ما يخفّف الأعباء عن الدولة من دون أن يعكس تحسّناً بنيوياً في ماليتها العامة.

كما يشير إلى أنّ تجاهل احتساب كلفة الفوائد المترتبة على سندات اليوروبوندز يُسهِم في تحسين الأرقام الظاهرة، وكأنّ هذه الالتزامات غير قائمة، ما يعزّز الفجوة بين النتائج المحاسبية والواقع المالي. «النموّ لكي يكون ملموساً يجب أن يُترجم في حياة المواطن واستطاعته على الاستثمار والادّخار»، هذا هو المؤشّر الأكثر دلالة على النمو، برأي عطالله، إذ إن ما يُعرض الآن يشبه تلك المؤشرات التي عُرضت قبل الأزمة الاقتصادية عن ارتفاع قيمة الإيداعات المصرفية مثلاً، إلا أنّ ذلك كلّه لم يقينا من الانهيار الكبير.

أيضاً يعتقد الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أنّ الحديث عن تحقيق نمو اقتصادي يبقى، حتى الآن، من دون سند إحصائي رسمي، في ظلّ غياب أرقام صادرة عن مراكز إحصاء مُعتمدة تؤكّد دخول الاقتصاد اللبناني في مسار نمو فعلي. ويرى أنّ المؤشرات التي جرى التركيز عليها لا يمكن ربطها تلقائياً بالنمو، ولا سيّما أنّ الارتفاع في الإيرادات الجمركية يعود، في جزء كبير منه، إلى زيادة الاستيراد بشكل طبيعي بعد فترة الحرب والانكماش، لا إلى توسّع اقتصادي مُنتِج.

كما يعتبر أنّ ما يُسجّل من وفورات في الخزينة يرتبط أساساً بزيادة الضرائب، لا بتحسّن في النشاط الاقتصادي. ويضيف أنّه لا توجد حتى الآن مؤشّرات إلى استثمار إنفاقي من شأنه توسيع حجم الاقتصاد أو تحفيز نمو مستدام، معتبراً أنّ ما يمكن الحديث عنه في المرحلة الراهنة لا يتعدّى كونه بداية تعافٍ هشّ، فيما لا يزال الطريق طويلاً قبل الحديث عن نمو فعلي ينعكس على حياة اللبنانيين.

مصدرجريدة الأخبار
المادة السابقةالمزارعون يترقبون نتائج اجتماع دمشق..أكلاف التصدير أولاً
المقالة القادمةما الذي يمكن إعماره بمليار دولار؟