أين المستهلك من المعاملة التفضيلية للصناعات الدوائية المحلية؟

وافق مجلس الوزراء في الثامن من الشهر الجاري على اقتراح قانون قدّمه رئيس لجنة الصحة النيابية بلال عبدالله، لتعديل المادة 16 من قانون الشراء العام المتعلقة بالأنظمة التفضيلية. وينص التعديل على رفع نسبة الأفضلية الممنوحة للعروض التي تتضمن سلعاً أو خدمات ذات منشأ وطني من 10% إلى 15% مقارنة بالعروض المقدّمة لسلع أو خدمات أجنبية.

ورغم الجدل الذي رافق هذا الاقتراح، جاءت الموافقة مشروطة بتوصية وزارة الصحة بأن تُطبَّق هذه النسبة عند الضرورة على المنتجات (خصوصاً الأدوية) المصنّعة بالكامل في لبنان، من دون المعلّبة. ويستند هذا القرار إلى مبدأ أساسي هو تشجيع الصناعة الوطنية وتحفيزها على تنويع سلّة الإنتاج، و«حماية خصوصية الدواء اللبناني» بحسب عضو لجنة الصحة النيابية عبد الرحمن البزري.

يفتح هذا القرار الباب أمام دعم الصناعة الوطنية، بما يشمل زيادة العمالة اللبنانية وتحقيق مردود اقتصادي أكبر، خصوصاً أن السوق الأساسي لمصانع الأدوية الوطنية هو الخارج، حيث يصرّف نحو 70 إلى 80% من إنتاجها.

وكان اقتراح عبدالله قد أثار جدلاً واسعاً حين طرح زيادة نسبة المفاضلة إلى 50%، أي خمسة أضعاف النسبة السابقة، ما أثار تساؤلات حول من سيتحمل تكلفة هذا الدعم، وقدرة خزينة الدولة على تمويله، وتأثيره على أسعار الدواء في السوق المحلي.

وتمثلت المآخذ الأساسية على النسبة المقترحة في أنها تنتهك مبدأ المنافسة المنصوص عنه في المادة 23 من قانون المنافسة، الذي يحظر منح مساعدات الدولة المخلة بالمنافسة، ويحدد الحالات الاستثنائية المسموح فيها، والتي لا تشمل الحالة الواردة في اقتراح القانون الحالي.

وينسحب هذا النقاش على التوازن بين الصناعيين أنفسهم، ما أثار حفيظة وزارة الصناعة، ناهيك بتكبيد المال العام خسائر كبيرة، إذ إن «أي زيادة ستنعكس حكماً زيادة في الإنفاق العام بغض النظر عن هوية الشاري»، بحسب رئيس هيئة الشراء العام، الدكتور جان العلية. موقف العلية لا يرفض منح الأفضلية للصناعة الوطنية، ولكنه يشترط أن يحقق ذلك القيمة الفضلى من إنفاق المال العام، كما نصت المادة 16 من قانون الشراء العام، وهو شرط غير متوافر حالياً، خصوصاً أن أسعار الأدوية المحلية من نوع الجينيريك يقارب معظمها أسعار الأدوية الأجنبية.

وبحسب مطالعة وزارة الاقتصاد والتجارة، فإن رفع نسبة المفاضلة إلى 50% سيؤثر سلباً على المستهلكين والخزينة، إذ سيتحمل الطرفان أعباء الفاتورة النهائية للدواء بسعر أعلى بنسبة قد تصل إلى 50% مقارنة بالأدوية الأجنبية. كما تشير المطالعة إلى أن الصفقات ستُرسى على العارضين المؤهلين للأفضلية رغم ارتفاع أسعارهم، ما يضاعف تكلفة الشراء. لذلك، إذا كان لا بد من تحديد نسبة أفضلية، يجب أن تُبنى على دراسة دقيقة تشمل انعكاسات التعديل على الموازنة العامة والمواطن اللبناني.

لذلك، دار نقاش حول بدائل لتشجيع الصناعة الوطنية خارج إطار قوانين المشتريات العمومية. من بين هذه البدائل، ما يمكن أن تقوم به الدولة من رفع الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية أو إقرار إعفاءات ضريبية، أو ما يمكن أن تقوم به الشركات نفسها عبر تطوير صناعتها واعتماد أساليب إنتاج حديثة تخفض الكلفة، وتمكّنها من المنافسة في السوقين المحلي والخارجي. كل هذا يتطلب التخلي عن الاتكالية والتنازل عن مبدأ التصنيع بهدف مراكمة الأرباح فقط.

مصدرجريدة الأخبار - راجانا حمية
المادة السابقةنواف سلام لمشموشي: ارجعي بعد شهر ونصف | الحكومة «تراوغ» القطاع العام
المقالة القادمةوزارة تكنولوجيا المعلومات… أو المراهنات؟