بدلاً من التركيز على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والحكومة الإلكترونية لمحاربة الفساد، فضّل وزير تكنولوجيا المعلومات إطلاق منصة للمراهنات الرياضية
في بلد، 73% من مواطنيه فقراء، وفقاً لتقرير «البنك الدولي» الصادر في عام 2024 عن الفقر المتعدّد الأبعاد، وفي ظلّ انهيار اقتصادي وبطالة مستشرية وهجرة كفاءات، زفّ وزير تكنولوجيا المعلومات كمال شحادة قبل أيام للبنانيين خبر «التحضير لإطلاق منصة مراهنات إلكترونية عالمية المستوى عبر طلب عروض قريباً». وقال شحادة، عبر «أكس»، إنها سترتكز «على الشفافية، اللعب المسؤول، التحقّق الصارم من الهوية والعمر وأعلى معايير الأمن السيبراني والحوكمة، بما يضمن حماية المستهلك وتعزيز الرقابة والتنظيم».
ورداً على سؤال لأحد المواطنين، شرح شحادة أن «المنصة المُقترحة مخصّصة للمراهنات الرياضية، وليس لألعاب الكازينو، وبالتالي لا تتنافس مع كازينو لبنان».
هذا ما تراه الدولة اللبنانية في التكنولوجيا إذاً. فبدل التركيز على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والحكومة الإلكترونية لمحاربة الفساد، أو دعم الشركات التقنية الناشئة، وتحويل لبنان إلى مركز تقني إقليمي، اختارت هذه الدولة إنشاء منصة للمراهنات الرياضية، الثابت عالمياً أن ضحيتها الأولى هم الشباب.
يعلّق الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي على الخبر باتهام الدولة بأنها «مجرمة بحقّ شعبها»، مشكّكاً في نفس الوقت بقدرة المنصة على تحقيق الأرباح، ويذهب إلى أنها «قد تتحوّل إلى مكمن للهدر». ويتساءل عن حل الدولة لتغطية كلفة أرباح المراهنة، «التي لا يصعب كثيراً توقّعها في المجال الرياضي، خاصةً في حالة بعض المنتخبات والنوادي القوية. فكيف ستدفع الدولة؟».
تُظهِر الخطوة بوضوح أولويات الدولة والنهج القائم. وعن ذلك، يقول الخبير الاقتصادي، وليد أبو سليمان: «نحن أمام غياب أي رؤية اقتصادية، والحكومة تسعى لإرضاء المجتمع الدولي عبر تأمين إيرادات بأي طريقة، لتصفير العجز وتحقيق فائض. لكن هذا فائض على حساب المجتمع».
ويعتبر أنه «في حال كان المنطلق هو البحث عن إيرادات إضافية، فيمكن تحسين إيرادات الدولة بطرق أخرى، كسياسة ضرائبية تحمي المجتمع، تفعيل الجباية من الأملاك البحرية وغيرها»، مشيراً إلى أنه «حتى اللحظة لم نلحظ أي خطوات جدّية لمكافحة الفساد ولا لتنشيط الاقتصاد ودعم القطاعات الإنتاجية، والنمط نفسه لا يزال مُعتمداً بنيوياً». وينبّه إلى أنه «يمكن التسلّل إلى جيوب المواطنين بإجراءات مماثلة، لكن في الوقت عينه تأسر الاقتصاد والمجتمع بأكمله. فهكذا مشروع يمكن إطلاقه في بلد سليم واقتصاده صلب».
في السياق ذاته، يرى خبير اقتصادي وأستاذ جامعي «أننا أمام أزمة رؤية وقيم. الثابت منذ تشكيل الحكومة هو غياب التخطيط والاستراتيجيات. كل وزير يأتي بطرح يعجبه وهكذا تسير الأمور». هو وضع يُشبِّهُه يشوعي بأنه «أشبه بشخص متّسخ، مُغطّى بالوحل، ارتدى ثياباً جديدة من دون أن يغتسل».
يوضح الأستاذ الجامعي أن من أضرار هكذا خطوة «الـ reputational risk أو مخاطر السمعة، والتي تنتج منها أضرار سلبية جراء الدعاية السيئة، والسلوك غير الأخلاقي، ما يؤدّي إلى فقدان العملاء والمستثمرين». ويسأل: «ما هي الصورة التي نسعى لتقديمها للعالم؟ صورة كازينو كبير تديره دولة مفلسة مالياً وأخلاقياً؟». كما يتساءل عن قدرة مثل هكذا منصة على منافسة منصات عالمية ضخمة موجودة وتهيمن على سوق المراهنات الرياضية. ويلفت إلى أنه إذا كانت النية هي ضبط سوق المراهنات، فـ«الأجدى تفعيل الكازينو وضبط سوق المقامرة غير الشرعية».
تشير الدراسات العالمية إلى أن كلفة القمار الاجتماعية والصحية تفوق بأضعاف إيراداته. وبحسب «منظّمة الصحة العالمية»، «يمكن أن يهدّد لعب القمار الصحة، إذ يؤدّي إلى زيادة حالات الإصابة باعتلال نفسي والانتحار. وقد يسبّب الفقر بتحويل إنفاق الأسر عن السلع والخدمات الأساسية».
تشمل الأضرار الناجمة عن لعب القمار أيضاً «انهيار العلاقات والعنف الأسري والضائقة المالية والوصم وارتكاب جرائم مُدِرّة للدخل (السرقة والغش) وإهمال الأطفال وتدهور المؤسسات المدنية».
إلى ذلك، تعتبر مديرة كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الدكتورة تريز سيف، أن «الدول بعد أن تكون قد وصلت إلى معدّل رفاهية مُعيّن والقدرة على تأمين الخدمات الأساسية لمواطنيها تنتقل إلى مرحلة تشريع الترفيه.
لكن أن تُقدِم دولة مفلسة على هكذا خطوة فهو دليل على نية واضحة بتخريب المجتمع لإلهاء الناس عن حقوقهم ولتغطية فشل المسؤولين». تصف سيف الخطة «بخطة الانتحار الجماعي نظراً إلى تداعياتها السلبية على مختلف المستويات الصحية والنفسية والاجتماعية». وتحذّر من «مخاطر تعزيز فكرة الربح السريع في المجتمع ولدى الشباب تحديداً، خاصة في ظل تعدّد المنصات الاجتماعية والأدوات التي تشجّع الربح السريع. فأيّ مجتمع ننتج للمستقبل؟ لا يجب تشريع الشر بحجة ضبط التفلّت».



