50 مليون دولار إيجارات سنوية | مُؤجِّرو الدولة: نافذون… ومجهولون!

يصرف لبنان أكثر من 50 مليون دولار على استئجار مبانٍ للمؤسسات الرسمية، وفقاً للنائبة حليمة قعقور. هو واقع لا يزال مستمراً رغم الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. والمشكلة في ذلك لا تنحصر في سوء إدارة المال العام، وحتى تبديده لمصلحة مالكي عقارات، هم في كثير من الأحيان، مسؤولون في السلطة أو على ارتباط بها، وإنما تتعداه إلى الخفّة في التعاطي مع ملف بهذا الحجم.

وهو ما يظهر في غياب قاعدة بيانات موحدة بالمباني المؤجرة والمستأجرة، وعدم التدقيق في الاستخدامات والنفقات، وصولاً إلى إهمال التخطيط لسدّ الحاجات الحكومية بأقل كلفة ممكنة، واستثمار الأصول العقارية بأفضل طريقة ممكنة.
هذا ما أكدته دراسة لـ«مبادرة غربال» حول عقارات الدولة المستأجرة. وتتلخص بما قاله المدير التنفيذي لـ«غربال»، أسعد ذبيان، أثناء إطلاقها الخميس الماضي: «الدولة تؤجر أملاكها بسعر زهيد، وتستأجر بسعر مرتفع».

الدراسة أجريت على 1315 عقد إيجار قديم وجديد، أبرمتها 67 جهة عامة في مختلف المحافظات، مستندةً إلى تقرير المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء بشكل أساسي، والذي يتضمّن العقارات المستأجرة من قبل الدولة والمُحدّث للمرة الأخيرة في آب 2023، مع الإشارة إلى نقصٍ في البيانات وعدم اكتمالها فيه.

الإشكالية الأولى التي ظهرت، هي غياب المعلومات الدقيقة لدى الجهات المعنية، تحديداً إدارة الأبحاث والتوجيه، التفتيش المركزي، المديرية العامة للطرق والمباني، وزارة المالية – مديرية المالية العامة ومعهد باسل فليحان المالي والاقتصادي. وتروي النائبة حليمة قعقور، في هذا الإطار، أنها عندما طلبت أثناء مناقشة الموازنة، من كل وزارة معلومات عن المباني التي تستأجرها، كان الجواب: «عم نشتغل عالموضوع ومنبعتلكن إياها»، مشيرةً إلى أنه «حتى الآن لم يصلنا سوى الهبات التي حصلوا عليها». وعليه، تقدمت قعقور مع ستة نواب «بالتعاون مع غربال، بسؤال للحكومة لمعرفة تفاصيل دقيقة عن العقارات التي تستأجرها الدولة، وتلك التي تملكها».

من هم المؤجرون؟
بالنسبة إلى هوية المؤجرين، أكدت الدراسة تضارب المصالح الخاصة والعامة الحاصل، إذ تبين لها أن المؤجرين هم جهات سياسية ومصرفية ودينية وجمعيات يفترض أنها لا تبغي الربح. مثلاً، أجّرت شركة يملكها الوزير السابق محمد يوسف بيضون مكاتبها في مبنى «ستاركو» لوزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية مقابل 700 ألف دولار سنوياً، قبل أن يشتريها أربعة أشخاص من ضمنهم رجل الأعمال طه ميقاتي (شقيق الرئيس نجيب ميقاتي).

«مجلس الجنوب» في الشياح، استأجر من «جمعية أمل للمحرومين»، مساحة 4,265 م²، بنحو 962 مليون ليرة سنوياً، علماً أن عقد الإيجار يمدد منذ حوالى 35 سنة، والقيمة الإجمالية للمبالغ المدفوعة باتت تفوق 20 مليون دولار. وزارة المهجرين استأجرت مع «شركة ستراتم ش.م.ل.» المملوكة من أبناء رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، بـ946 مليون ليرة. بالتوازي، ديوان المحاسبة يستأجر عقاراً يملك وزير الإعلام الأسبق وليد الداعوق وأشقاؤه 60% منه مقابل مليار و26 مليون ليرة.

إلى ذلك، تبين أن 43 جهة دينية و16 وَقفاً (من أوقاف) يؤجرون عقارات لـ21 إدارة ومؤسسة عامة مقابل بدلات إيجار سنوية إجمالية بلغت نحو 3.87 مليارات ليرة، من بينها دائرة الأوقاف الإسلامية في صور، جمعية راهبات دير الصليب، الرهبنة اللبنانية المارونية – دير مار أنطونيوس في شكا والرهبانية العازارية. في السياق نفسه، برزت 38 جمعية تؤجّر سبع إدارات وست مؤسسات عامة. ومن بينها جمعية رعاية اليتيم في صيدا، التي يفترض أنها غير ربحية، لكنها أبرمت تسعة عقود إيجار مع الدولة مقابل أكثر من مليون دولار، معظمها كليات للجامعة اللبنانية في صيدا.

«التعليم» أكثر القطاعات استئجاراً
وتشكل المباني الحكومية المستأجرة جزءاً أساسياً من البنية الإدارية والخدماتية في لبنان، ويعتمد عليها عدد من الإدارات العامة والمؤسسات الحكومية، ما يجعل ديمومة القطاعات والخدمات بيد المالكين. ويشكل قطاع التعليم الثقل الأكبر بين القطاعات العامة المعتمدة على الإيجار (42%). وبعد وزارة التربية والتعليم العالي (446 عقداً)، تأتي وزارات الداخلية (151)، الشؤون الاجتماعية (95)، الزراعة (44)، الصحة (36) والدفاع (21)، علماً أنه من حيث المساحة تتبوّأ وزارة الدفاع المرتبة الأولى.

إلى ذلك، تتصدر الجامعة اللبنانية المؤسسات المستأجرة مع 94 عقداً، تليها مؤسسة كهرباء لبنان (83)، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (27)، مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان (25)، المحاكم الشرعية السنية (19) ومؤسسة مياه لبنان الشمالي (19).

وتظهر الدراسة بوضوح إشكالية هدر المال العام ومخالفة معايير الشفافية التعاقدية، عبر عقود غير محددة المساحة، الجهة المؤجرة، الكلفة، المدة والآلية. ويعدّ عقد مقر «إسكوا» في بيروت الذي تستأجره وزارة الخارجية والمغتربين من «سوليدير» مقابل قرابة 9 ملايين دولار، حالة خاصة لجهة القيمة التأجيرية المضخمة، خصوصاً أن العقد لا يحدّد مساحة العقار أو السعر للمتر المربع الواحد. كذلك، لم تحدّد الجهات المؤجرة في 544 عقداً، أي ما يعادل 41.3% من إجمالي العقود في العيّنة.

وعليه، توصي «مبادرة غربال»، لمعالجة الاختلالات الحالية وتحقيق الاستخدام الأمثل للأموال العامة، ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة، بجملة من الخطوات الإصلاحية، منها: إحالة جميع العقود المشبوهة إلى ديوان المحاسبة لإجراء الرقابة اللاحقة الشاملة، نشر جميع عقود الإيجار العامة التزاماً بقانون الحق في الوصول إلى المعلومات (28/2017)، إنشاء آلية موحدة لتقدير بدلات الإيجار الحكومية استناداً إلى معايير السوق والتقييم العقاري الموضوعي وتفعيل دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة الشراء العام في مراقبة وتدقيق هذه العقود لضمان مبادئ الشفافية والفعالية.

مصدرجريدة الأخبار - زينب حمود
المادة السابقةحبيب: إنجازات العهد في سنته الأولى ليست شعارات بل وقائع
المقالة القادمة“المؤشرات الاقتصادية لاحتساب النمو غير متوفّرة” غبريل: نسبة النمو لم تتجاوز 3% في العام 2025