يناقش مجلس النواب مشروع قانون موازنة العام 2026 في جوّ مشحون سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. إلاّ أنّ الموازنة المطروحة لا تتلاءم مع حجم المتطلّبات الملقاة على عاتقها، لذلك صحّ فيها القول إنّها موازنة إدارة الأزمة، لا حلّها. أمّا النواب الذين يناقشون المشروع على مدى 3 أيام، فينتظرهم في الخارج موظّفون ومتقاعدون يطالبوالن بتعديل رواتبهم لتتناسب مع مستوى الغلاء المعيشي وارتفاع الدولار، ويرفضون التعديلات التي اقترحها مجلس الخدمة المدنية.
الموظّفون والمتقاعدون اعتصموا خارج مبنى مجلس النواب. لم يقطعوا الطريق إليه، بل سهّلوا الوصول، علّ المشرِّعين يسمعون أصواتهم وينصفونهم. ولذلك، لن يكون دخول البرلمان كخروجه، إذ سيبني المعتصمون قراراتهم في الخارج، وفق ما ستؤول إليه قرارات النوّاب في الداخل. على أنّ الانطباع العام لدى الموظّفين والمتقاعدين، حول خلاصة البحث في الموازنة، ليس إيجابياً، الأمر الذي يزيد الضغط على الموازنة المنتظرة، والتي ستكون أمام امتحان قدرتها على تأمين الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بالتوازي مع امتحان قدرتها على الصمود أمام نتائج الضغط السياسي الداخلي والخارجي.
هدوء في الشارع
على عكس الجلسات السابقة، لم يشهد محيط مجلس النواب صدامات بين المتظاهرين والعناصر الأمنية المكلّفة حماية المكان. فالشوارع المحيطة امتلأت بالمتظاهرين من موظفي الإدارات العامة من مختلف القطاعات، بالإضافة إلى المتقاعدين، المدنيين والعسكريين. وتولّى العسكريون المتقاعدون تأمين الدخول الهادىء للنواب، بعد إعطائهم أوراقاً تتضمّن مطالبهم، علّهم يلتفتون إليها في نقاشهم لمشروع قانون الموازنة. وأكّد أمين سر الهيئة الوطنية للمحاربين القدامى عماد عواضة، أنّ “بعض النواب عبّروا عن تضامنهم معنا، قائلين إنّهم سيرفعون مطالبنا داخل الجلسة”.
وأشار عواضة في حديث إلى “المدن” إلى أنّ “المطالب كثيرة، وأهمّها العودة إلى ما اتفقنا عليه مع الحكومة، أي دفع 50 بالمئة من الرواتب التي كانت قبل العام 2019 وتقسيط الباقي على 6 أشهر، وهو ما تهرّبت منه الحكومة. فضلاً عن باقي المطالب المتعلّقة ببنود مشروع قانون الرواتب والمعاشات التقاعدية، والمتعلّقة بحرمان الفتاة التي تتخطّى سنّ الـ25 من راتب والدها التقاعدي، وغير ذلك”. وذكّر بـ”المعاشات الخيالية التي دفعت لبعض الموظفين في الهيئات الناظمة وبرفع رواتب النواب. ففي هذه الحالة يكون لدى الدولة أموال. لكنها تختفي عند الحديث عن رواتب الموظفين والمتقاعدين”. وحذّر عواضة مجلس النواب من إقرار الموازنة بصيغتها الحالية، من دون لحظ زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين، وإلاّ “يكون النواب قد كذبوا علينا”.
ضرب الإدارة والنظام التقاعدي
بحسب مسار المطالبة بحقوقهم وعدم اكتراث الحكومة لرؤيتهم للحل، لا ينتظر موظّفو الإدارات العامة “شيئاً من هذه السلطة”، ذلك أنّ الحكومة “تضع الموظّفين في آخر سلّم أولوياتها”. وبهذه الطريقة، فإنّ الدولة تتّجه نحو “ضرب الإدارة العامة ونظام التقديمات الاجتماعية، والنظام التقاعدي”، وفق ما أكّده عضو الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة العامة، إبراهيم نحّال، في حديث إلى “المدن”.
ما فعلته الحكومة ويتابعه مجلس النواب “لا يبني دولة”. أمّا التذرّع بعدم وجود الإيرادات الكافية لتمويل زيادة الرواتب وفق ما طرحه الموظّفون والمتقاعدون، فيحيله نحّال إلى “دراسة قمنا بإعدادها وقدّمناها لرئيس الجمهورية جوزاف عون، تثبت أنّ في الخزينة العامة ملياري دولار يمكن استخدامها للمتقاعدين. كما انّ رواتب جميع الموظفين في الفئتين الرابعة والخامسة لا تتجاوز الـ500 مليون دولار”. واستباقاً لإقرار الموازنة كما يناقشها النواب، فإنّ الموظّفين “سيذهبون نحو التصعيد. ولا نعرف كيف ستتدحرج الأمور. ووضعنا روزنامة للتحركات التصعيدية”.
موازنة غير إصلاحية
تسلك الموازنة طريقها في مجلس النواب بصورة مخالِفة، بدءاً من مناقشتها والتحضير لإقرارها قبل مناقشة وتصديق قطع الحساب عن العام 2025. إلى ذلك، لا يحمل مشروع موازنة 2026 توجّهات إصلاحية، لا سيّما على المستوى الضريبي أو المستوى الاجتماعي. وبذلك، هي موازنة “تفتقد إلى أي استراتيجية اقتصادية واجتماعية تمسّ الإصلاح الذي تنادي به الحكومة”، وفق ما أكّد النائب فراس حمدان، الذي أشار إلى أنّ “موازنة 2026 خصّصت للأجهزة الرقابية المولجة مراقبة عمليات الهدر والفساد والصفقات والتعاقد مع الدولة، نحو 15 مليون دولار فقط”. أمّا النظام الضريبي فلم يُعَدَّل وفق وجهة إصلاحية تؤمّن العدالة الاجتماعية، “بل جرت زيادة الغرامات، وهي كلفة يتحمّلها المواطنون، لكن مردودها لا يذهب كلّه للدولة، بل 60 بالمئة منه فقط تذهب للخزينة العامة و40 بالمئة لموظفين في وزارة المالية وفي مصرف لبنان”. وأيضاً تضمّنت الموازنة “أقل من 10 بالمئة نفقات استثمارية”، وهذه أمثلة تسقط عنها صفة الإصلاح.
ويضاف إلى ذلك، عدم اكتراث الحكومة بمطالب موظّفي ومتقاعدي القطاع العام الذين يطالبون بحقوقهم، وهي بنظر حمدان “ليست أرقاماً لنسدّدها بعد 6 سنوات، ونشتري بذلك الوقت، بل هي حقوق تحتاج إلى قرار جريء لإنصاف الموظفين والمتقاعدين”. ووصف حمدان تعاطي الحكومة مع هذا الملف بأنّه “طريقة غير مسؤولة”.
غياب صور الإصلاح الفعلي في مشروع الموازنة، يجعلها هشّة أمام الضغط الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتظرها خارج جدران البرلمان، ما يعني أنّها لن تقوى على الصمود أمام حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وهذا يحيلها إلى تحدٍّ آخر، هو قدرتها على تحصين البلد في خضمّ عدم الاستقرار السياسي الداخلي المفتوح على الأزمات الإقليمية والدولية.
الحرب والسلم
خلال النقاش في مشروع الموازنة، تطرّق النواب إلى عدم الاستقرار الأمني واحتمالات العودة إلى الحرب، خصوصاً مع إمكان انخراط حزب الله في أي عمل عسكري قد يطال إيران وسط التهديدات الأميركية والإسرائيلية بمهاجمتها. وهذا الانخراط، ينعكس بالضرورة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، ما يجعل الموازنة الراهنة، أمام اختبار التصدّي لانعكاسات التصعيد العسكري. فتحتاج الموازنة عندها إلى تصنيف صورتها، إمّا أن تكون موازنة سِلم أو موازنة حرب، والفارق كبير بين الصورتين.
فموازنات السّلم تركّز على التنمية والاستقرار الطويل الأمد، فتستثمر في قطاعات التعليم، الصحة، البنية التحتية، خلق فرص العمل… وغير ذلك، فيما موازنة الحرب تخصّص معظم إيراداتها للدفاع والأمن الداخلي والإغاثة وتأمين الغذاء والطاقة الكافيين، فضلاً عن الاستجابة السريعة لأي طارىء. والموازنة بشكلها الحالي، ليست موازنة حرب، لكنّها في بلد قد ينجرّ إلى حرب في أيّ لحظة، كما أنّها ليست موازنة سِلم بالمعنى الصحيح، لأنّها غير إصلاحية ولا تقيم وزناً للاستثمار في مختلف القطاعات، وتحديداً القطاع العام.
الموازنة أمام امتحان الاستقرار في مختلف أوجهه، في بلد مفتوح على الاحتمالات. وعوض الأخذ كلّ التحديات التي مرّ بها البلد منذ العام 2019 حتى اليوم في الاعتبار، تتابع القوى السياسية إعداد موازنة العام 2026 بانفصال تام عن الواقع والتجارب. وخارج البرلمان، موظفون ومتقاعدون ومودعون وعاطلون عن العمل وفقراء ينتظرون ضربة مطرقة رئيس المجلس النيابي، لتصدّق على ما اعتادوا عليه من غربة بين ما يحتاجه الناس وما يقرّره الساسة.



