تحت غطاء مناقشة مشروع موازنة 2026، تحوّلت أولى جلسات مجلس النواب اليوم، إلى منصة للتصويب السياسي تضمنها محاولات لتشريع الخلل المالي القائم ونقل كلفته من مصرف لبنان إلى الدولة، وتحديداً في ما يتصل بملف ادعاء مصرف لبنان ترتيب ديون على الدولة والتي تأتي في إطار الفجوة المالية.
وبينما ترفع الحكومة شعار “عجز صفر”، كشفت المناقشات أن هذا التوازن ليس سوى توازن شكلي يقوم على تغييب نفقات أساسية، وتضخيم إيرادات غير موثوقة، في مقابل دفع بعض النواب باتجاه تكريس اعتراف الدولة بديون تُعدّ عملياً خسائر البنك المركزي والمصارف.
وفي موازنة ستُقر مجدداً بلا قطع حساب، وبأسعار صرف مزدوجة، وضرائب وغرامات مضاعفة على المواطنين، بدت السلطة التشريعية أمام اختبار حساس، إما إقرار موازنة بما فيها من شوائب أو لا إقرار موازنة والعودة إلى الفوضى المالية التي كانت سائدة.
لا صحة لعجز “صفر”
تعدّدت الآراء والمواقف، وكثرت الملاحظات على مشروع موازنة 2026، لكن لم يعترض أي من النواب الذين شاركوا اليوم بنقاشات الجلسة الأولى على أن “لا صحة لمسألة العجز صفر في الموازنة” فالتوازن بين النفقات والإيرادات شكلي لا فعلي، بسبب تغييب نفقات أساسية، وفي مقدمها استحقاقات الدين الخارجي المتوقف عن السداد منذ عام 2020 بالإضافة إلى اعتماد تقديرات إيرادات غير دقيقة، تبقى مسؤولية الحكومة رغم التشكيك بواقعيتها، ما يضعف صدقية الأرقام النهائية، ويوجه رسالة سلبية للداخل والخارج على السواء.
وقد حدّدت الموازنة إيرادات، بقيمة 534.715.617.000.000 ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 5.5 مليار دولار، وهو ما عده رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان غير دقيق، ولا سيما أن الحكومة لم تفصح عن واردات قيل إنه جرى تحصيلها خلال السنتين 2024 و2025.
فالحكومة في الواقع أدرجت في مشروع الموازنة ما حصلته من إيرادات خلال العام 2024، وقد بلغت 306 آلاف مليار ليرة، أي ما يتجاوز 3 مليارات دولار، دون أن ترفقه بأية تحصيلات عائدة للعام 2025 تبين سير التحصيل خلال الأشهر الستة الأولى على الأقل من هذا االعام، وتبرر لحظ إيرادات تبلغ نحو 535 ألف مليار ليرة، أي زيادة قيمتها 229 ألف مليار ليرة عن واردات العام 2024.
كما لم تذكر الموازنة ما حققته من دولرة بعض الرسوم خلال العامين 2022 و2024، ولا سيما رسوم المطارات والمرفأ والخروج من لبنان بحراً وجواً وبعض الضرائب على الدخل. وقد دعا كنعان إلى وضع إلى حد لعشوائية استحداث الضرائب والرسوم وبدلات الخدمات والغرامات بما لا يراعي لا الأوضاع الاقتصادية غير السوية، ولا أوضاع المواطنين بتحميلهم أضعاف قدرتهم.
مسألة واحدة علّق عليها كنعان إيجاباً هي مسألة وقف الحكومة منح سلفات خزيننة. ولفت إلى ضرورة إجراء تدقيق شامل بكل سلفات الخزينة السابقة، وتعليق الاعتمادات المخصصة لتسديدها إلى حين إنجاز هذا التدقيق، ولا سيما أن تسديد هذه السلفات عبر الموازنة يتم محاسبياً،ً ومن دون إبراز مستندات تثبت أوجه الإنفاق.
خروج عن الموازنة لصالح “المصارف”
لم يوفر عدد من النواب فرصة مناقشة مشروع موازنة 2026 ليصوّبوا سهاماً في إطار حرب الفجوة المالية، والتقاذف الحاصل بين مصرف لبنان والدولة اللبنانية حول مسألة المديونية التي يصر عليها مصرف لبنان ويعتبر أنها تتجاوز 16.5 مليار دولار بثلاثة أضعاف في وقت تنفي الدولة اللبنانية ممثلة بوزارة المالية استحقاق هذا الدين لصالح مصرف لبنان.
وقد ذهب النائب الياس بوصعب في كلمته اليوم أبعد من الموازنة، ودفع باتجاه إعتراف الدولة بالدين لصالح مصرف لبنان “والذي هو دين لصالح المصارف والذي هو بالتالي أموال مودعين” ليختم بو صعب بأنه في حال لم يتم الإعتراف من الدولة بالدين يعني لا اموال للمودعين. مارس بو صعب التحريض المباشر للمودعين على الدولة وكأن تحميلها مسؤولية سداد الودائع ينفصل عن تحويل المودعين أنفسهم مسؤولية الفجوة.
كذلك جورج عدوان صوّب على مسؤولية الدولة في الملف المصرفي مشدّدا ً على ضرورة اعترافها بالدين لصالح مصرف لبنان. وإن أصاب في انتقاده لغياب قطع الحساب عن الموازنة علماً أن كافة الموازنات السابقة التي تم التصويت عليها في مجلس النواب نفسه افتقدت لقطع الحساب، وهو ما يفقدها دستوريتها.
أما فراس حمدان الذي دخل في سجال مع نواب حزب الله حول الملف السياسي والتضامن مع ايران، فقد أثار مسألة غابت كلياً عن الموازنة وهي تعويضات المتقاعدين منذ عام 2019 التي انهارت قيمتها ولم تيم إنصافهم علماً انه ثمة اقتراح قانون في أدراج مجل سالنواب في هذا الخصوص.
من جهته انتقد النائب جميل السيد التفاوت الهائل في الرواتب بين موظفي القطاع العام والهيئات والمجالس التي يتم تعيينها حديثاً ومنها من يتقاضى 10 آلا فدولار شهرياً.
وتبقى المعضلة الأكبر أمام موازنة 2026 وهي التي مر عليها قلة من النواب بين بينهم كنعان في نقاشات لجنة المال، وهي مسألة استمرار احتساب الرواتب وتعويضات نهاية الخدمة على سعر 1500 ليرة مقابل احتساب الضرائب على أسعار مرتفعة غالبيتها 90 ألف ليرة للدولار. وهو ما يفاقم أزمة تآكل القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام ويجعل أي إصلاح مالي غير مكتمل.



