الرئيسية اقتصاد لبنان إقرار الموازنة بعِلّاتها: أسعار صرفٍ متعدّدة وموارد مهدورة

إقرار الموازنة بعِلّاتها: أسعار صرفٍ متعدّدة وموارد مهدورة

تحوّلت خطابات الكثير من النواب على مدار الجلسات الست خلال ثلاثة أيام لمناقشة الموازنة إلى استعراض كلامي فارغ، غابت عنه المعالجة الفعلية للأرقام، وحضر فيه الإنشاء بدل الحلول. قلة من النواب عرضوا أرقاماً مفيدة وحلولاً ناجعة، لكن مهما اتجهت الخطابات، لم تنجح بالمحصلة في إحداث تغييرات بمشروع موازنة 2026 فقد تم إقرارها بعللها الكثيرة وإن كانت تقل عن سابقاتها، لضرورات مالية بحتة.

وتتربّع على عرش العلل في الموازنة مسألة ترسيخ الخلل في ميزان السلة الضريبية، وهو سلوك لطالما اعتمدته كافة الحكومة على اختلاف ألوانها. فقد ارتفعت حصيلة الضرائب في موازنة 2026 بنسبة 150 في المئة على الرواتب والأجور وبنسبة 160 في المئة على الميكانيك، في مقابل تراجع حصيلة ضريبة الدخل على الأرباح بأكثر من النصف أي بمعدل 59 في المئة، وهو ما يعمّق الشرخ الاجتماعي واللا عدالة الضريبية.

وتُقدّر النفقات الإجمالية في الموازنة بنحو 6 مليارات دولار، يذهب القسم الأكبر منها إلى نفقات تُصنّف ضرورية. وتشكل الرواتب والأجور والتعويضات نحو 3.1 مليارات دولار من إجمالي الإنفاق، فيما تتوزع النفقات المتبقية على مصاريف تشغيلية تشمل الإيجارات، الكهرباء، النقل، الصيانة وسائر الأعباء التشغيلية للإدارات العامة.

غير أن هذه الأرقام، وعلى الرغم من حجمها، لا تعكس الكلفة الفعلية للإنفاق العام نتيجة احتساب جزء كبير منها على أسعار صرف متفاوتة، ما يُخفي العجز الحقيقي ويُفاقم الاختلالات الاجتماعية.

تعدّد أسعار الصرف

أحد أبرز العيوب التي تشوب الموازنة هو العيب الذي لازم كافة الموازنات التي أقرت بعد العام 2019. فقد سادها خلل تعدّد أسعار الصرف وهو ما يرتبط بشكل مباشر بمسألة “تصفير” العجز. فالموازنة اعتمدت أكثر من سعر صرف يبقى أخطرها اعتماد سعر الصرف الحقيقي في الإيرادات وسعر الصرف الأسبق منذ ما قبل الأزمة على النفقات.

ما يعني أن الموازنة تحتسب الرواتب والأجور وتعويضات نهاية الخدمة على سعر الصرف الرسمي الأسبق 1500 ليرة للدولار الواحد في حين تحتسب معظم الإيرادات الضريبية على أساس 90000 ليرة للدولار الواحد أي ما يعادل 60 ضعفاً والبعض الأخر يتم احتسابه على أساس 69000 ليرة أو ما يعادل 46 ضعفاً.

هذه العلّة هي ما تسبّب بموجة الاعتراضات والتظاهرات التي نفذت بالتزامن مع انعقاد جلسات مناقشة موازنة 2026 من قبل عدد كبير من الفئات العاملة في القطاع العام، من معلمين ومتعاقدين وعسكريين متقاعدين وإداريين ومساعدين قضائيين وغيرهم الكثيرين.

تتعمّد الحكومات اعتماد أكثر من سعر صرف في موازناتها لزيادة الإيرادات وخفض النفقات وبالتالي لتجميل أرقام الموازنة، وعدم إيقاعها في عجوزات كبيرة. لا بد من الإشارة هنا إلى أن مسألة التعاطي مع ملف الرواتب والتعويضات تشكّل صلب أزمة مستمرة منذ سنوات وتستمر حتى اللحظة وتسببت بتفجر الشارع في وجه مجلس النواب تزامناً مع نقاشات موازنة 2026.

العجز فعلي لا إسمي

وبالعودة إلى العجز لم تعترف الموازنة بوجوده بل رسّخت مسألة “تصفير العجز” في الموازنة، وهو ما لا ينطبق على الواقع خصوصاً أن الواردات المقدرة ليست واقعية، ولا حتى النفقات. فالأخيرة غاب عنها العديد من الاستحقاقات على رأسها الدين العام والزيادات على الرواتب التي ارتأت الحكومة تأجيل البت بها إلى نهاية شهر شباط المقبل في مشروع قانون مستقل.

ويبقى العائق الأكبر أمام التدقيق بأرقام نفقات الموازنات ومنها موازنة 2025 و2026 غياب قطع حساب للسنوات السابقة. فلا يمكن الجزم بأي فائض أو حتى تصفير للعجز من دون قطع حساب عن السنة السابقة وهو ما يغيب عن الموازنة الحالية وبالتالي هو ما يفقدها دستوريتها.

موارد غير مستخدمة

يؤخذ على هذه الموازنة أيضاً تجاهلها منافذ عديدة قد تتيح زيادة الإيرادات بشكل كبير وهو ما علّق عليه وزير المال حين أكد العمل على زيادة الايرادات الجمركية في مرفأ بيروت ووضع خطة للأملاك البحرية بهدف فرض غرامات ورسوم ملائمة. ولكن بالرغم من ذلك لا ضير في ذكر بعض مما تهدره الخزينة العامة في مرافق الدولة.

تُظهر الأرقام المتعلقة بالأملاك العامة البحرية أن الدولة اللبنانية تحرم خزينة الدولة من موارد مالية ضخمة نتيجة إعفاء شاغلي هذه الأملاك من الرسوم والضرائب، إذ تمتدّ التعديات على مدى 10 ملايين متر مربع من الشاطئ اللبناني، أي نحو 80% من الساحل.

ووفق تقديرات الشركة الدولية للمعلومات وجمعية “نحن”، كان يمكن لهذه المساحات، في حال احتُسبت وفق القيمة الحقيقية للأراضي البحرية وفرضت عليها بدلات الإشغال والضرائب المستحقة، أن تؤمن إيرادات سنوية لا تقل عن 120 مليون دولار، إلا أن الدولة لا تحصّل فعلياً سوى نحو 20 مليون دولار سنوياً فقط. وقد أدّى هذا الواقع إلى خسائر تراكمية تُقدَّر بنحو 7 مليارات دولار منذ عام 1994.

وكما الأملاك البحرية كذلك الاتصالات والكسارات وايجارات المؤسسات العامة. وتعليقاً على الأخيرة كشفت دراسة لمبادرة “غربال” مؤخراً أن الدولة اللبنانية تهدر أكثر من 52 مليون دولار سنوياً على استئجار مبانٍ لإدارات عامة، فيما بلغت كلفة الإيجارات منذ عام 1992 نحو 1.2 مليار دولار، من دون احتساب الصيانة والتجهيز. وأظهرت الدراسة وجود 1315 عقد إيجار مع جهات نافذة وجمعيات دينية وسياسية، بعقود مرتفعة تفتقر للشفافية والمعايير، ما يطرح شبهات تضارب مصالح وسوء إدارة للمال العام.

وبالغوص في ملفات الكسارات والمقالع وحتى الشركات والتصريح عن أرباحها وغيرها كثير من الملفات نجد أن ثمة أبواباً كثيرة يمكن للدولة اللبنانية تغذية خزينتها منها بما يفيض أضعاف ما تحتاجه لزيادة رواتب القطاع العام وتنفيذ إصلاحات أخرى.

مصدرالمدن - عزة الحاج حسن
المادة السابقةصندوق النقد الدولي يجدد ثقته بمرونة الأسواق الناشئة قبيل انطلاق «مؤتمر العلا»
المقالة القادمةبعد قطر.. هل تحذو السعودية حذوَها برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية؟