يُعَدّ قطاع الاتصالات أحد القطاعات الحافلة بقضايا الفساد، نظراً إلى حجم إيراداته المالية وإمكاناته المتاحة للصفقات التي تستفيد منها القوى السياسية، سواء في التوظيف أو العقود المتعلّقة بمختلف الخدمات في هذا القطاع الضخم، الذي يرفد الخزينة العامة بمئات ملايين الدولارات سنوياً، إذ يساهم بنحو 21 بالمئة من مجمل الإيرادات في الموازنة العامة.
ومع ذلك، تواصل الشركتان المشغّلتان للقطاع، تاتش وألفا، عرض “إنجازاتهما”، في حين أنّ خدمات الاتصالات والانترنت ما زالت رديئة والأسعار مرتفعة جداً. أمّا مسار الإصلاح في القطاع، فينتظر معجزة تمحو الماضي والحاضر وتكتب مستقبلاً مغايراً. ويعتقد وزير الاتصالات شارل الحاج أنّ “المشغّلين الأجانب” قد يحقّقون نقلة نوعية.
إنجازات وسط الحطام
سجّلت عائدات قطاع الهاتف الخليوي ارتفاعاً خلال العام 2025 إلى 534 مليون دولار، مقارنة بـ493 مليون دولار في العام 2024، على رغم ارتفاع الإنفاق الاستثماري إلى 55.1 مليون دولار في 2025، مقابل 14.2 مليون دولار في 2024. لكن ما يرفده قطاع الاتصالات إلى الخزينة العامة، لا ينفي كونه قطاعاً محطّماً. فهو أفضل من قطاعات أخرى بفعل الإرادة السياسية التي تدير القطاعات، فترفع شأن قطاع على حساب آخر، تبعاً لحجم الاستفادة منه، في حين أنّ إدارة قطاع الاتصالات بالطريقة الصحيحة، تؤدّي إلى زيادة إنتاجيّته وتحسين خدماته وإيراداته بما يخدم الصالح العام.
وللمساهمة في التحسين، بيّنت شركة تاتش إنجازاتها خلال العام 2025 وتطلّعاتها للعام 2026. وخلصت إلى أنّها “نجحت في زيادة قاعدة مشتركيها بنسبة 4 بالمئة، وارتفع حجم بيانات التجوال بنسبة 103 بالمئة على أساس سنوي، فيما ارتفع حجم استهلاك البيانات بنسبة 30 بالمئة، وارتفع عدد الهواتف التي تعمل وفق الجيل الخامس 5G بنسبة 70 بالمئة، وهذه الأرقام ليست سوى مؤشر إلى ضرورة الاستمرار في عمليات توسعة الشبكة على صعيد البيانات. كما حقّقت الشركة ما يزيد عن 522 ألف دولار من بيع الأرقام المميزة بعد عرضها على موقعها الالكتروني وتطبيقها الخليوي، وأكثر من 95 ألف دولار من بيع 23 رقماً مميزاً بعد إطلاق المزاد العلني الالكتروني.
أمّا في العام 2026، فستركّز الشركة على منتجات وعروض تتماشى ومسيرتها في التحول الرقمي، من ضمنها اعتماد آلية الاشتراك الرقمي المتكامل (Digital Onboarding) من خلال تطبيقها الخليوي، وخدمة التجارة الالكترونية، بالإضافة إلى السعي لجذب المزيد من المشتركين للحفاظ على موقعها الريادي في السوق. وستطلق علامتها التجارية touch business المخصصة للشركات، وستنشىء شراكات استراتيجية مع الشركات الناشئة وتصمّم لها عروضاً خاصة لأعمالها”، وفق ما عرضته إدارة الشركة ضمن لقاء إعلامي.
ملفّات حسّاسة
ومع ذلك، فإنّ ملفّات حسّاسة، لم تنتهِ مفاعيلها بعد، تقوِّض الإنجازات المرصودة. وعلى سبيل المثال، قضية العلاقة مع شركة “أريبا” AREEBA للدفع الإلكتروني، وقضية الأرقام المميّزة، والهبة المفترض أن تقدّمها شركة “نوكيا”… وغيرها.
ومع أنّ هذه القضايا غير مستجدّة، إلاّ أنّها لا تزال تتفاعل داخل القطاع، وخصوصاً في شركة تاتش، التي شهدت في أيلول 2025 انتخاب مجلس إدارة جديد برئاسة كريم سلام لمدة عام. وباختصار، فإنّ قضية “أريبا” تتلخّص في أنّ هذه الشركة المتخصّصة في الدفع الإلكتروني والمملوكة من ماهر ميقاتي، تمكّنت من جني ملايين الدولارات من مستحقات شركتي تاتش وألفا، عبر تسديد مستحقات الشركتين عن تحصيل قيمة خدمات الدفع الإلكتروني، بالليرة بسعر 1500 ليرة للدولار. وبعد رفع تاتش دعوى قضائية على أريبا، جرى التوصّل إلى تسوية تقضي بتقسيط نحو 600 ألف دولار بدل المستحقّات الأصلية البالغة مليوناً و585 ألف دولار، الأمر الذي كبّد الخزينة خسائر هائلة. وجرى ذلك بتسهيل من موظفين في الشركة.
أمّا قضية الأرقام المميّزة، فإنّ بعض الموظّفين في تاتش عمدوا إلى سحب أرقام مميّزة من الشركة، مستغلّين موقعهم فيها، وقاموا ببيعها في السوق بأسعار خيالية، علماً أنّ بعض الأرقام كانت مملوكة لمستخدمين لم يبيعوها، فجرى تزوير تواقيعهم على عقود بيع، وتمّ نقل تلك الأرقام إلى مستخدمين آخرين.
وبالتوازي، تحدّثت معلومات عن هبة كان من المفترض أن تقدّمها شركة “نوكيا” Nokia هي عبارة عن تركيب 50 موقعاً للاتصالات، لمدة 6 أشهر. وتحوَّلَ العرض من هبة إلى عقد مدفوع.
إلاّ أنّ المدير العام لشركة تاتش كريم سلام أوضح أنّ “إدارة الشركة راجعت الملفّات وأخذت الإجراء القانوني بحقّ الأشخاص المفترض اتخاذ إجراءات بحقّهم”. أمّا مسألة مواصلة بعض الموظفين المرتكبين لعملهم داخل الشركة، والاكتفاء بنقلهم من منصب إلى آخر، فهو بحسب سلام “موضوع داخلي بحت، يتعلّق بإدارة الشركة التي تقوم بما تراه مناسباً”. مؤكّداً “القيام بعدّة تشكيلات” للموظفين المعنيين، آملاً “تصحيح أي خروقات”. وعلى صعيد السجال بين الهبة والعقد مع نوكيا، أكّد الرئيس التنفيذي للشؤون التقنية علي ياسين، أنّه “ليس هناك أي هبة ولا اتفاق مع أحد”. ولفت النظر خلال اللقاء الإعلامي إلى أنّه “كانت هناك أفكار من بعض الشركات لتقديم المساعدة عبر محطات مجانية، إلاّ أنّ ذلك لم يتمّ بعد، وتحقيقه يحتاج إلأى مسار قانوني يمرّ عبر هيئة الشراء العام”.
ألفا تتكتّم
هذه الملفّات وغيرها لا تعني شركة تاتش وحدها، بل أيضاً شركة ألفا. لكن وجود تاتش في الواجهة يعود، بحسب مصادر معنية بقطاع الاتصالات، إلى أنّ “تاتش تحكي، فيما ألفا تتكتّم. فتاتش نظّمت لقاءً إعلامياً، وهناك بعض الموظّفين الذين يسرّبون معلومات من داخل الشركة، في حين أنّ ألفا تتمكّن من ضبط هذا الموضوع بشكل أكبر”. وأشارت المصادر في حديث إلى “المدن” إلى أنّ “هذه الملفّات مشتركة. فشركة أريبا وضعت يدها على أموال لتاتش وألفا، وقضية الأرقام المميّزة موجودة في ألفا لكنّها مستترة، فضلاً عن الكثير من الأمور، منها الرواتب الخيالية لبعض الموظّفين المحظيين، وعدم المسّ بموظّفين مهما بلغت ارتكاباتهم”.
ولفتت المصادر النظر إلى أنّ “ملف الخليوي هو جزء من قطاع الاتصالات الذي يدار بخلفية سياسية. ولذلك، تُطرَح هذه الملفّات في سياقها السياسي، أي مَن اتّخذ القرارات ومَن غطّاها ومَن حمى الموظفين ومَن استفاد؟… وغير ذلك. فما يُهدَر في هذه الممارسات هو مال عام مسؤولة عنه الحكومة ووزير الاتصالات، فهل تمّ التدقيق بهذه الملفّات قبل وصولها إلى الإعلام وانكشافها، وبعد ذلك؟”.
ورغم الغطاء السياسي، لا تعفي المصادر تاتش وألفا من مسؤوليّتهما، فإن كانتا تريدان إظهار الشفافية والإنجازات بصورة فعلية، “فالأجدى بهما نشر الموازنات على الملأ لتتبيَّن حقيقة الحسابات ومسار الأموال وأين صُرِفَت، وما هو حجم الأموال غير المحصَّلة بعد. فهذا القطاع يُدار بالأرقام حصراً، ولا يُعرَف إلاّ من خلال الأرقام والتجربة، التي تفيد بأنّ الاستثمارات التي تُصرَف لتطوير القطاع، لا تُتَرجَم بتحسين الخدمات للمشتركين ولا بخفض الكلفة وتقديم عروض حقيقية”. وعليه، سألت المصادر: “أيّ تقييم صحيح لمرحلة سابقة واستشراف لمرحلة مقبلة، يحصل في ظل انقطاع مستمر للاتصالات والانترنت، وفي ظل ارتفاع الأسعار ورداءة الخدمة؟”.
طيّ الصفحة
إن كانت الإنجازات التي تعرضها تاتش في العلن وتضمرها ألفا، إنجازات فعلية في قطاع الاتصالات، “فلماذا يريد وزير الاتصالات فتح القطاع أمام المستثمرين الأجانب، طالما أنّ الشركتين الحاليّتين تمكّنتا من تحقيق إنجازات؟”. ورأت المصادر أنّ “الملفّات التي خرجت إلى العلن في ألفا، سرّعت استبدال مجلس الإدارة، على أنّ المجلس الجديد سيعيش لبضعة أشهر، الأمر الذي يدعو للسؤال عمّا إذا كان الوزير قد أوقعَ أعضاء المجلس في ورطة أم لا. فترفيع الأعضاء سيعقبه تغيير للشركة المشغِّلة. ومن المتعارف عليه أنّ المشغِّل الجديد يأتي بفريق عمل متكامل ويستبدل الفريق التابع للمشغِّل السابق. أمّا الحفاظ على ديمومة العمل لبعض الموظّفين، فيعني أنّ أعضاء المجلس الحالي قد يتم تخفيض رتبتهم، طالما أنّ مجلسَ إدارة آخر سيُشَكَّل مع المشغِّل الجديد”.
عموماً “قد يريد الوزير طيّ الصفحة السابقة في القطاع والتأسيس لواقع جديد مع مشغِّلين أجانب”. وعَبَّرَ الوزير عن ذلك بالإعلان عن التوجّه لإطلاق مناقصة خلال 3 أشهر، لشركات مشغّلة للاتصالات. وتوجَّه إلى الدول العربية والخليجية، بالإضافة إلى الشركات الدولية للتقدّم للاستثمار في القطاع ومشاركة خبراتها في تطوير الشبكة وتطوير الجيل الخامس. واعتبرت المصادر أنّه “لو كان الوضع في القطاع سليماً كما تصوّره الشركتان، لما وصلنا إلى ما نحن عليه”.
لذلك، قطاع الاتصالات ليس في أفضل أحواله. فديوان المحاسبة أظهرَ في تقريره الصادر في العام 2022، وجود “العديد من التجاوزات” في عقود استثمار لتطوير خدمات الخليوي “نتج عنها هدر للمال العام”. كما أنّ تلك العقود “لم تخضع للرقابة الإدارية المسبقة، والمبالغ التي دُفعت وستُدفع، سوف تتكبّدها الخزينة العامة بشكل من الأشكال”. ولا تنحصر مشكلة قطاع الاتصالات بما يُرتكب في قطاع الخليوي، إذ إنّ الإنفاق في هيئة أوجيرو “خارج الأطر التعاقدية، خلال الأعوام 2017، 2018، 2019 و2020″، أضاع “الربح المتراكم لدى هيئة أوجيرو خلال أكثر من 10 سنوات والبالغ 160 مليون دولار”. وهذا ما يجعل المشكلة مستعصية.



