الرئيسية اقتصاد لبنان هذا ما سيطلبه صندوق النقد في جولته المرتقبة

هذا ما سيطلبه صندوق النقد في جولته المرتقبة

تمامًا كما أشار وزير الماليّة ياسين جابر أمام البرلمان، قبيل إقرار موازنة العام 2026، ستكون بيروت على موعدٍ مع جولة جديدة لبعثة صندوق النقد الدولي، خلال الفترة الممتدة بين 9 و13 شباط؛ أي طوال أيّام عمل الأسبوع المقبل. وبطبيعة الحال، سيكون مشروع قانون الفجوة الماليّة، وملاحظات الصندوق عليه، الموضوع الأدسم والأكثر أهميّة، على جدول أعمال البعثة. غير أن نقاشات البعثة ستشمل كذلك ملفّات أخرى مرتبطة بمسار التعافي المالي، مثل مشروع تعديل قانون إصلاح المصارف، الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النوّاب، بالإضافة إلى مسائل أخرى ترتبط بماليّة الدولة.

الملاحظات على مشروع الفجوة

كما هو معلوم، من المرتقب أن تباشر لجنة المال والموازنة دراسة مشروع قانون الفجوة الماليّة خلال هذا الشهر، بعدما فرغ البرلمان الأسبوع الماضي من مناقشة وإقرار موازنة العام الحالي. ولهذا السبب، سيكون لتوقيت زيارة البعثة دلالات لا يمكن تجاهلها، بالنظر إلى تزامنها مع فتح النقاش البرلماني حول مشروع القانون. ومن الطبيعي أن يكون لملاحظات البعثة تأثير حاسم على وجهة النقاشات، لكون المشروع يمثّل أحد أهم الشروط التي يجب تنفيذها للعبور إلى اتفاق نهائي مع الصندوق.

بمعزل عن التسريبات التي تناولت سابقاً ملاحظات صندوق النقد على مشروع قانون الفجوة الماليّة، تُرجّح مصادر محليّة مُطلعة على موقف الصندوق أنّ تتركّز ملاحظات البعثة -بخصوص المشروع- على ثلاث محاور أساسيّة:

أولاً، التراتبيّة الزمنيّة للإجراءات المنصوص عنها في المشروع: فمشروع القانون ينصّ على التراتبيّة القانونيّة لتوزيع الخسائر، تمامًا كما يطلبها صندوق النقد، والتي تبدأ بتحميل المساهمين في المصارف أولى شرائح الخسائر، قبل الانتقال إلى سائر الدائنين، على أن يحل المودعون في آخر السُلّم. إلا أنّ صندوق النقد يخشى أن يتم الالتفاف على هذه التراتبيّة، عبر البدء بتقنية الميزانيّات من “الأصول غير المنتظمة”، ما يعني تخفيض حجم الودائع، قبل الانتقال لتنفيذ إجراءات إعادة الهيكلة، بما فيها عمليّة “توزيع الخسائر”. وبهذا الشكل، سيكون المودع قد تحمّل الخسارة في المرحلة الأولى، قبل تحميل المساهمين نصيبهم من الخسائر.

لتلافي هذه الثغرة، ستطلب بعثة الصندوق تراتبيّة زمنيّة واضحة جداً للإجراءات. وهذا يفرض البدء بقياس حجم الفجوة في ميزانيّة مصرف لبنان، ثم تحديد خسارة كل مصرف على حدة، وتحميل مساهمات أصحاب المصارف الشريحة الأولى من الخسائر. وبعد هذه المرحلة، يمكن الانتقال إلى مرحلة تنقية الميزانيّات من الأصول غير المنتظمة. وبهذا الشكل، لا يُفرض على المودعين في أي مصرف تحمّل أيّة شريحة من الخسائر، قبل التأكّد من استنفاد قدرة المساهمين على تحمّلها، من خلال شطب رؤوس الأموال وإعادة الرسملة.

ثانياً، موجبات الدولة في إعادة رسملة مصرف لبنان: نصّ مشروع القانون بصيغته الحاليّة على التزام الدولة بإعادة رسملة المصرف المركزي، كما ترك لوزارة الماليّة ومصرف لبنان أمر الاتفاق على الديون المتنازع عليها بين الطرفين، على أن تكون الكلمة الفصل بهذا الشأن لمجلس الوزراء. وبهذا المعنى، يمكن القول أنّ مشروع القانون وضع صيغة لـ “ربط النزاع” حول مسؤوليّة الدولة في عمليّة إعادة الهيكلة، على أن يكون المعيار لاحقاً هو استدامة الدين العام، أي عدم رفع الدين إلى مستويات غير قابلة للسداد في المستقبل.

لصندوق النقد هواجسه الخاصّة هنا. فالصندوق يضع أولويّة استدامة الدين العام فوق أي اعتبار، ما يدفعه للخشية من صياغة تفتح الباب أمام ارتفاع غير مقيّد للديون العموميّة. ولهذا السبب، ستطلب البعثة صياغة أوضح في مشروع القانون، لتقييد موجبات الدولة في إعادة رسملة المصرف المركزي، وتقييد إمكانيّة زيادة ديون عامّة جديدة لمصلحة مصرف لبنان. ويبدو أن تصريحات حاكم مصرف لبنان، التي طالبت الدولة بديون خياليّة (تتجاوز الـ 50 مليار دولار أميركي)، زادت من هواجس الصندوق إزاء مستقبل الدين العام.

ثالثاً، آليّة ضمان الودائع: نصّ مشروع القانون على تسديد أموال كل مودع، في جميع المصارف، لغاية مئة ألف دولار أميركي، خلال أربع سنوات. وبهذا المعنى، سيجري احتساب قيمة ودائع كل فرد في كل النظام المصرفي اللبناني، قبل برمجة تسديد المئة ألف دولار على المدى القصير.

لصندوق النقد مقاربة مختلفة. فهو يطلب احتساب مبلغ مضمون، على المدى القصير، لكل حساب مصرفي. وهذا ما يعني عملياً إمكانيّة تعدّد المبالغ المضمونة على المدى القصير، لكل مودع، إذا امتلك عدّة حسابات مصرفيّة في عدّة مصارف لبنانيّة. وهذه المقاربة يمكن أن تصب لمصلحة أصحاب الحسابات المتعدّدة، لكنّها ستخفّض حتماً الهامش المضمون لكل حساب.

ملاحظات على المسارات الأخرى

كان مجلس النوّاب قد أقرّ سابقًا قانون إصلاح أوضاع المصارف، المعروف إعلاميًّا بقانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وجاء ذلك القانون ليعيد تشكيل الهيئة المصرفيّة العليا، المُختصّة باتخاذ القرارات بشأن كل مصرف على حدة، كما أعاد تحديد صلاحيّات الهيئة ولجنة الرقابة على المصارف في عمليّة إعادة هيكلة القطاع. وتضمّن القانون تحديدًا واضحًا لكيفيّة تصنيف المصارف، ما بين تلك التي ستخضع لعمليّة إصلاح الوضع، وتلك التي ستتم تصفيتها، وفقًا لعمليّة تدقيق شاملة في ميزانيّات القطاع المصرفي.

وكان صندوق النقد قد وجّه ملاحظات عديدة للقانون بعد صدوره. إذ وجد الصندوق أنّ جمعيّة المصارف ستتمكّن من التأثير في هويّة عضوين داخل الهيئة المصرفيّة العليا، وهو ما يخلق نوعًا من تضارب المصالح. كما تحفّظ الصندوق على آليّات حق الطعن بقرارات الهيئة المصرفيّة العليا، والتي تسمح للمصارف بتعطيل عمليّة إعادة الهيكلة، عبر الإفراط بممارسة حق الطعن. ولهذا السبب، أقرّت الحكومة مشروع قانون جديد لتعديل قانون إصلاح المصارف، بما يأخذ بعين الاعتبار ملاحظات الصندوق.

على هذا الأساس، من المتوقّع أن تدور نقاشات بعثة الصندوق حول ملاحظاتها على مشروع قانون الفجوة الماليّة، قبل بدء مناقشة مشروع القانون في لجنة المال والموازنة. كما يُفترض أن تتناول التعديلات المطلوبة بشأن قانون إصلاح أوضاع المصارف، والتي تم التعامل معها في مشروع القانون المُعد من قبل الحكومة. وإلى جانب كل هذه الملاحظات، سيكون لبعثة الصندوق اهتمامها بمسألة التوازن المالي في الميزانيّة العامّة، في مرحلةٍ يُفترض أن تشهد تصحيح رواتب العاملين في القطاع العام ومعاشات المتقاعدين.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةالذهب من قمم قياسية إلى تصحيح حاد: لماذا انهار السعر وأين أخطأ لبنان؟
المقالة القادمةجابر: الفجوة المالية قريباً وودائع 782 ألف حساب ستعاد كاملة