تتصاعد النقاشات الدولية بشأن قضية فرض الضرائب المناخية على شركات النفط الكبرى بشكل متزايد في إطار جهود تقليص الانبعاثات الكربونية وتحفيز الانتقال إلى مصادر طاقة أكثر استدامة، وسط خلافات وانقسامات حول التكيف مع المتطلبات البيئية أو مواجهة تأثيرات اقتصادية سلبية.
تواجه شركات النفط الكبرى اليوم تحديات جديدة تتعلق بالضرائب المناخية التي فرضتها حكومات مختلفة حول العالم في محاولة للحد من التغير المناخي.
وتسعى هذه الحكومات رغم الانقسامات حول القضية إلى تقليص انبعاثات الكربون من خلال فرض رسوم ضريبية على الشركات التي تساهم بشكل رئيسي في تلوث البيئة.
ومع تزايد الضغط الدولي من أجل التصدي لتغير المناخ، بدأت هذه الضرائب تأخذ حيزًا كبيرًا في السياسات الاقتصادية العالمية، مما يضع شركات النفط في مرمى الاستهداف.
وتعد شركات النفط الكبرى، مثل إكسون موبيل وشيفرون الاميركيتان وبي.بي البريطانية، من أكبر المساهمين في انبعاثات الغازات الدفيئة، حيث تتسبب عمليات التنقيب عن النفط وإنتاجه في إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون.
وبناءً على ذلك، بدأت بعض الحكومات تفرض ضرائب على هذه الأنشطة بشكل تدريجي، سواء كان ذلك عبر فرض ضريبة على الكربون أو من خلال سياسات تحديد سقف للانبعاثات.
ويقول المختصون والمحللون إن هذا الوضع يجعل الشركات تحت ضغط كبير لتحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية ومتطلبات الالتزام بالمعايير البيئية.
وغالبا لم تحظ الضرائب على الأرباح التي حققتها شركات النفط والغاز من ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب الحرب الأوكرانية، باهتمام سياسي، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن العديد منها مملوكة للدولة.
وتناقش الأمم المتحدة نظامًا جديدًا للتعاون الدولي في تحصيل الضرائب، يهدف، من بين أمور أخرى، إلى تحصيل الأموال من صناعة النفط والغاز لمواجهة تغير المناخ.
وليست هذه المحاولة الأولى لإلزام هذه الصناعة بالدفع، ولن تكون الأخيرة. ومع ذلك، تبقى فرص نجاح هذه الفكرة غير مؤكدة.
وبحسب إيرينا سلاف الخبيرة التي تكتب لمنصة “أويل برايس” الأميركية، تُعدّ هذه الفكرة جزءًا من الاتفاقية الإطارية للتعاون الضريبي الدولي.
ويجري التفاوض على هذه الاتفاقية حاليًا في مقر الأمم المتحدة بنيويورك بهدف تحسين تحصيل الضرائب عالميًا، وزيادة العبء الضريبي على الأثرياء.
وتركز المناقشات، كما هو متوقع، على الاستدامة، وهناك العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تتوق إلى إلزام شركات النفط الكبرى بدفع تكاليف الكوارث الطبيعية التي تتعرض لها.
ومع ذلك، هناك آخرون لا يُبدون حماسًا كبيرًا لتحميل شركات النفط الكبرى مسؤولية الكوارث الطبيعية أو فرض ضريبة عالمية على الأثرياء.
جهود دفع تكاليف تغير المناخ ليست بجديدة ومع ارتفاع تكاليف التحول وتفاوت النجاحات القانونية، تبرز الضرائب كأداة بديلة
ووفقًا لآخر مستجدات المناقشات، طُرحت مقترحات لربط أرباح صناعة النفط بتعويضات عن تغير المناخ، إلا أن هذه الفكرة لا تحظى بتأييد الجميع نظرًا لافتقار المقترحات إلى الوضوح والقوة.
وهذا يُعدّ أمرًا “مؤسفًا” لمؤيدي تحميل شركات النفط الكبرى مسؤولية تغير المناخ، وفق سلاف، إذ تُشير تقديرات هذه المنظمات إلى أن عائدات هذه الضرائب الإضافية كان من الممكن أن تصل إلى تريليون دولار منذ عام 2015، تاريخ توقيع اتفاقية باريس.
وتقدر بعض التقارير أن إجمالي إعانات دعم الوقود الأحفوري يبلغ في المتوسط حوالي 1.3 تريليون دولار سنويا، وأكثر من ذلك بكثير إذا تم الأخذ في الاعتبار التكلفة المجتمعية للتعامل مع الانبعاثات والتلوث.
وتقول سلاف إنه “لا شك أن اتفاقًا لفرض ضرائب على شركات النفط الكبرى لما يُشير إليه دعاة التحول في قطاع الطاقة من دورها في تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري سيُثير رد فعل من هذه الصناعة.”
وأوضحت أن هذا الرد قد يصل إلى المحاكم، حيث حققت جماعات مناهضة النفط نجاحًا متفاوتًا في تحميل شركات النفط الكبرى مسؤولية تغير المناخ.
وعلى سبيل المثال، رفعت ولاية كاليفورنيا دعوى قضائية ضد قطاع النفط عام 2024، متهمةً شركات النفط الكبرى بالتقليل من شأن المخاطر المرتبطة باستخدام النفط والغاز وتغير المناخ. استهدفت الدعوى شركات إكسون، وشيفرون، وبي بي، وكونوكو فيليبس.
ولاحقًا، أضاف المدعي العام روب بونتا بندًا خاصًا يُلزم “الطرف الذي يربح من أعمال غير قانونية أو خاطئة بالتنازل عن أي أرباح حققها نتيجةً لتلك الأعمال. يهدف هذا الإجراء إلى منع الإثراء غير المشروع وجعل الأعمال غير القانونية غير مربحة”.
ولا يزال مسار هذه الدعوى غير واضح، ولكن في الآونة الأخيرة، خففت القيادة السياسية في كاليفورنيا من لهجتها تجاه شركات النفط الكبرى في محاولة للحفاظ على تشغيل بعض المصافي في الولاية وتجنب المزيد من ارتفاع أسعار الوقود، حتى مع سعيها للتحول الكامل إلى النقل الكهربائي.
كما رفعت ولاية مين دعوى قضائية ضد شركات النفط الكبرى بتهمة ما يُسمى “أكاذيب المناخ”. وحصلَت قضية “التضليل المناخي” على موافقة قاضٍ فيدرالي العام الماضي.
1.3 تريليون دولار سنويا متوسط إجمالي إعانات دعم الوقود الأحفوري، بحسب التقديرات
وقد اتهم المدّعون ستّ شركات نفط كبرى بالإضافة إلى معهد البترول الأميركي بـ”التقاعس عن تحذير سكان ولاية مين وإخفاء معرفتهم بالعواقب الوخيمة للاستخدام المتزايد للوقود الأحفوري على سكان مين واقتصادها وبيئتها”.
وأصبحت “الحرب القانونية المناخية”، كما يسميها الكثيرون، إحدى الوسائل المفضلة لدى نشطاء المناخ لمعاقبة قطاع الطاقة الذي يحمّلونه المسؤولية الكاملة عن تغيرات أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم.
ومع ذلك، ولأن النجاح ليس مضمونًا، فقد برزت الضرائب كحل بديل لما يبدو أنه مشكلة تمويلية رئيسية لعملية التحول في قطاع الطاقة. فقد تبيّن أن تكلفة هذا التحول تفوق بكثير ما كان متوقعًا، ولا بد من توفير التمويل اللازم.
وتُعدّ شركات النفط الكبرى الخيار الأول الواضح: فهي تجني أرباحًا طائلة من تجارتها في سلع الطاقة الحيوية – التي تُحمّل مسؤولية تغير المناخ.
وقالت سلاف “من المنطقي أن يكون جزء من هذه الأرباح مستحقًا لمن يعارضون استخدام هذه السلع، على الرغم من أهميتها البالغة.”
وأضافت “يبقى أن نرى ما إذا كانت مناقشات الأمم المتحدة ستُفضي إلى قاعدة تفرض ضرائب على شركات النفط الكبرى.”
وتابعت “حتى لو حدث ذلك، فمن الأفضل للدول التي تتطلع إلى عائدات الضرائب أن تتحلى بالصبر فشركات النفط الكبرى لن تستسلم هذه المرة دون مقاومة.”



