الرئيسية اقتصاد لبنان مطار القليعات في مجلس الوزراء: مُخالفات بالجملة

مطار القليعات في مجلس الوزراء: مُخالفات بالجملة

يستكمل مجلس الوزراء اليوم البحث في ملف مطار رينيه معوّض – القليعات، بعدما كان قد أرجأ البتّ فيه في الجلسة الماضية بانتظار إنجاز تقرير الهيئة العامة للطيران المدني.

يستكمل مجلس الوزراء اليوم البحث في ملف مطار رينيه معوّض – القليعات، بعدما كان قد أرجأ البتّ فيه في الجلسة الماضية بانتظار إنجاز تقرير الهيئة العامة للطيران المدني. وللمفارقة، جاء التقرير المذكور مطابِقاً حرفياً لكتاب وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني الذي أُنجز قبل نحو أسبوعين، في سابقة لا يمكن فصلها عن السياق الإداري اللبناني، إذ يُفترض بالوزير أن يستند في كتابه إلى تقرير الجهة المختصّة، لا أن يأتي التقرير لاحقاً ليكرّس ما ورد في كتابه. ولا تقف الإشكالية عند هذا الحدّ، إذ إن التقرير نفسه، إلى جانب آلية التعامل مع الملف، يتضمّنان ثغرات جوهرية ومخالفات قانونية متعدّدة، تطرح علامات استفهام جدّية حول سلامة المسار المُعتمد، ومدى التزامه بالأصول القانونية والإدارية.

يستند التقرير إلى مقاربة تعتبر أنّ إعادة تشغيل المطار تمرّ حصراً عبر تكليف شركة الشرق الأوسط لخدمات المطارات (MEAS) بتنفيذ أعمال التأهيل والتشغيل، بذريعة «الجاهزية التقنية» للشركة في تشغيل مطار رفيق الحريري الدولي، بالإضافة إلى «الضرورة الملحّة» و«تقليص الكلفة». ويذهب التقرير إلى حدّ اعتبار أنّ هذه المقاربة تندرج ضمن الحالات التي تتيح اعتماد آلية استثنائية في التعاقد، بما يسمح بتجاوز المسارات التنافسية المعتادة. غير أنّ هذا الطرح يصطدم مباشرة بمخالفات قانونية جوهرية.

فمن جهة أولى، يشكّل المسار المُقترح في تقرير الهيئة العامة للطيران المدني مخالفة صريحة لأحكام المادة 46 من قانون الشراء العام، إذ لا تتوافر أي من الشروط الحصرية التي تجيز اللجوء إلى الاتفاق الرضائي. فلا يوجد احتكار تقني أو قانوني يفرض التعاقد مع مورّد واحد، ولا حالة طوارئ ناتجة من حدث كارثي وغير متوقّع، ولا عقد أساسي جارٍ تنفيذه يمكن تبرير الإضافات عليه.

كما أنّ المشروع المطروح لا يُعد حاجة إضافية طارئة، بل إنشاء مستقلاً بكامله، ما يُسقِط شروط العجلة القصوى وعدم إمكان توقّع الحاجة، وهذا ما يؤدّي عملياً إلى تجاوز مبدأ المنافسة والشفافية الذي يشكّل جوهر قانون الشراء العام. وعليه، فإنّ التعاقد بالاتفاق الرضائي في هذه الحالة يتمّ خلافاً لنص المادة 46 وروحها، في ظل غياب كامل للشروط القانونية التي تبرّر هذا الاستثناء.

كما أنّه من خلال اعتماد خيار MEAS كمسار وحيد، يضع التقرير الدولة أمام أمر واقع يُقصي تلقائياً خيار إطلاق مناقصة عالمية لتشغيل المطار، وهو ما يتعارض مع مبادئ المنافسة والشفافية المنصوص عليها في قانون الشراء العام. فبدل أن يكون التقرير مدخلاً لفتح الخيارات، يتحوّل إلى أداة لتقييدها سلفاً، عبر فرض جهة واحدة قبل أي نقاش حكومي أو تنافسي، رغم أنّه بالإمكان استقدام أهم الشركات لإدارة هذا المطار وجعله «نموذجاً عالمياً» وما يستتبع ذلك من نتائج.

ثانياً، يعرض التقرير خيار تكليف MEAS بمهام تتجاوز التشغيل والصيانة، لتشمل عملياً إعادة تأهيل المطار ووضعه على سكّة التشغيل الكامل. غير أنّ هذا المسار يشكّل التفافاً واضحاً على قانون الشراكة مع القطاع الخاص، الذي يفرض آليات محدّدة، ودراسات مُسبقة، وموافقات حكومية واضحة قبل إسناد أي مشروع بنية تحتية بهذا الحجم إلى جهة خاصة.

حيث تنص المادة 7 من قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص صراحة على أنّ إجراءات اختيار الشريك الخاص يجب أن تخضع لمبادئ الشفافية، وحرية الاشتراك، والمساواة بين المرشحين المتنافسين، وأن تسبقها علنية كافية تؤمّن تعدّد العروض المتنافسة على الفوز بالعقد. إلا أنّ التقرير لا يلحظ أي التزام بهذه الموجبات، بل يتعامل مع دور الشركة كأمر واقع تقني.

إضافة إلى ذلك، يقدّم التقرير شركة MEAS على أنّها الجهة القادرة على تأهيل وتشغيل وصيانة مطار القليعات، رغم أنّ اختصاصها كما يرد حرفياً عبر موقعها الرسمي أنّها «شركة متخصّصة تماماً بتشغيل وصيانة المنشآت»، دون أي ذكر للتأهيل، وهذا الأمر لا يمكن التغاضي عنه. ولا يبيّن التقرير امتلاك الشركة خبرة في إدارة مطار متكامل بكلّ عناصره (بما يشمل صيانة طائرات، أمن، خدمات طيران متكاملة)، ما يجعل تحميلها هذا الدور قفزاً فوق الواقع المهني والتقني، واستهتاراً بالمواصفات التي يجب أن تكون بالفعل في شركة عليها إدارة أهم المرافق الوطنية.

والجدير ذكره هنا، أنّ شركة MEAS بدأت عملها في ظرف طارئ، حيث عُهد إليها نقل عمليات المطار من المبنى القديم إلى المبنى الجديد من دون انقطاع حركة المطار والتحضير للافتتاح الرسمي لمطار بيروت الجديد في عام 1998، وهو ما تذكره الشركة صراحة. أي لم تكن شركة لها تجارب في تأهيل المطارات وإدارتها. ثم وسّعت صلاحياتها تباعاً، كما تتوسّع غالبية الخطط التي لم تُدرس بشكل دقيق تبعاً لكيفية إدارة الدولة، وتفضيلها «المصالح الخاصة» على أي شيء آخر.

الأخطر، أنّ التقرير لا يتضمّن دراسة جدوى اقتصادية أو تشغيلية تحدّد الهدف من إعادة تشغيل مطار القليعات، ولا موقعه ضمن السياسة الوطنية للطيران المدني، ولا طبيعة دوره الأساسي وكيفية خدمة هذا الدور. وتُعد دراسة الجدوى الاقتصادية أداة إلزامية لتقييم أي مشروع بنية تحتية، إذ تُحدّد كلفته الفعلية، وإيراداته المتوقّعة، واستدامته المالية، ودوره ضمن السياسة العامة، ومدى تفوّقه على البدائل الممكنة. وغياب هذه الدراسة يحوّل المشروع من خيار مدروس إلى قرار ارتجالي يُعرّض المال العام لمخاطر غير محسوبة، دون أن نعيد تكرار أنّ مثل هذه «الصفقات» تُنجز تحقيقاً لأهداف ومكاسب لا تعرف المصلحة العامة ولا تدور في فلك لها.

البنية التحتية المتوافرة
يقع مدخل مطار رينه معوّض – القليعات في شمال لبنان ضمن منطقة عكّار، على مسافة نحو 6 كيلومترات من الحدود اللبنانية – السورية، فيما تبعد أقرب نقطة عن هذه الحدود قرابة 3 كيلومترات عند الطرف الشمالي الشرقي للمطار. وقد شُيّد المطار أساساً بصفة مطار عسكري.

ويضم المطار مدرجاً وحيداً باتجاه 060/240، يبلغ طوله 3000 متر، يُضاف إليه 250 متراً من كل جانب طولي، وبعرض 45 متراً. كما يشتمل على استراحة للضباط بمساحة تقارب 200 متر مربّع، ومركز إطفاء قديم، ومركز طاقة يضم مولّدَي كهرباء، إضافة إلى برج مراقبة ومحطة صغيرة للأرصاد الجوية. ويتوافر في المطار موقف سيارات يستوعب نحو 100 سيارة، هنغار مخصّص للطائرات الحربية بمساحة 50*52 متراً، بالإضافة إلى 5 خزانات مخصّصة لوقود الطائرات.

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةكركي: تسوية بين الضمان ومستشفى رزق لدفع المستحقّات الصحيّة العائدة لأجرائها
المقالة القادمةمضبطة اتّهام «مبكّلة» لوزير الاتصالات: عام مليء بالتجـاوزات وهدر المال العام