أنجزت لجنة الإعلام والاتصالات النيابية تقريراً مُفصّلاً حول أداء وزير الاتصالات شارل الحاج، أثبت ارتكابه مخالفات وتجاوزات بالجُملة، تستدعي محاسبته
بعد مرور عام على تسلّمه وزارة الاتصالات، أنجزت لجنة الإعلام والاتصالات النيابية تقريراً مُفصّلاً حول أداء الوزير شارل الحاج، قيّمت فيه كل الملفات التي عمل عليها. ويُعدّ ذلك استثنائياً في عمل اللجان النيابية، إذ من النادر أن تراقب وتقيّم هذه اللجان أعمال الوزراء، عدا محاسبتهم على ما فعلوه وما لم يفعلوه.
في خلاصة هذا التقرير، تبيّن أن الحاج عجز عن تحقيق الإصلاحات المطلوبة، لا بل سجّلت اللجنة «غياباً شبه كامل للوزارة على الأرض، لناحية التنظيم والحوكمة والشفافية وتطوير الخدمات». فبدلاً من ذلك، تركّز همّ الوزير على «تمرير سلسلة مشاريع كبرى فوق وزارة ضعيفة تنظيمياً». اللجنة استندت إلى ثمانية ملفات رئيسية عملت عليها الوزارة، وباءت جميعها بالفشل:
– الإنترنت الثابت وملف الشبكات غير الشرعية: رأت اللجنة أن الوزارة، وبدلاً من ضبط شبكات الإنترنت غير الشرعية، حافظت عليها ولم تلتزم بالقانون الصادر بهذا الشأن، بل أبقت على الفوضى القائمة، ما حرم الخزينة من الإيرادات.
– شبكة الدولة وجودة الخدمة: تبيّن للجنة أن الحاج رفع تعرفة الإنترنت على المواطنين وحمّلهم أكلافاً إضافية مقابل صفر خدمات كان قد وعد بها. ولاحظت غياب أي تفعيل أو تطوير في شبكة الإنترنت أو قفزة نوعية في عدد المشتركين الشرعيين.
– ازدواجية الأولويات: تطرّقت اللجنة في هذا البند إلى ملف «ستارلينك» الذي أولاه الوزير أولوية مطلقة وأراد لمجلس الوزراء إقراره بسرعة فائقة، رغم كل المخالفات القانونية التي اعترت الترخيص، والتي أدّت إلى تقديم طعون فيه. وخلصت إلى أن الوزارة فشلت في ضبط السوق المحلي رغم وجود مرسوم نافذ، وتجاهلت أولويات إصلاح الأعطال التي تشوب الشبكة الأرضية، أي تفعيل شبكات الـ«فايبر أوبتك» الممدودة سلفاً، ولكن غير المفعّلة في السنترالات. وعوضاً عن ذلك، عمد الوزير إلى استيراد حل خارجي كـ«ستارلينك»، «بلا سيادة تنظيمية أو ضوابط اقتصادية أو اعتماد قواعد المنافسة الشريفة».
– مشروع «ليبان تليكوم»: قرّر الحاج الاستناد إلى قانون أُقرّ قبل 24 عاماً لإنشاء شركة جديدة من دون مراعاة كل التطوّرات التي طرأت على القطاع في هذه السنوات، علماً أن ذلك يتطلّب وجود هيئة ناظمة مستقلّة، وهو ما لم يحصل. فقد جرى تعيين رئيس الهيئة في مجلس الوزراء بطرق غير علمية ومخالِفة لشروط الآلية، ما حوّل الهيئة إلى حديقة خلفية للوزير، يرمي فيها كل تجاوزاته.
– قطاع الخلوي: في حين كان يُفترض بالوزير القيام بإصلاحات في القطاع وتحسينه، لطرح موضوع الشراكة مع القطاع الخاص، بدّل بشكل مفاجئ مجلسَيْ إدارة شبكتَي الخلوي من دون أسباب موجبة، رغم تحقيق هذين المجلسين إنجازات تشغيلية وزيادة في الإيرادات بين عامي 2024 و2025، ما استدعى أسئلة حول الهدف من هذا التغيير، ولا سيما أن الوزير طرح تلزيم إدارة وتشغيل الشركتين لشركات أجنبية بعد تعيين المجلسين الجديدين بشهرين. وترى اللجنة أن هذا المسار «يعني عملياً أن التعيينات فشلت، وأن ما يُطرح اليوم ليس إصلاحاً ولا شراكة، بل خصخصةٌ لإدارة القطاع بلا حوكمة، وتفكيك صامت لملكية الدولة خارج البرلمان».
– الهيئة الناظمة للاتصالات: ما عدا القفز فوق الآلية، بدا واضحاً أن موظّفي الهيئة الناظمة ليسوا سوى موظّفين تابعين للوزارة لأنهم يتقاضون رواتبهم من المديرية العامة للاستثمار والصيانة، ما يعزّز نظرية خضوعهم للوزير في غياب أي استقلال مالي. كما لم يخصّص الوزير أي بند في الموازنة للإيرادات التي يُفترض أن تُدخِلها الهيئة إلى الخزينة، فضلاً عن تسجيل اللجنة أن «الهيئة تصدر قرارات وتطلق مشاريع خارج نطاق صلاحياتها التنظيمية تنفيذاً لطلبات الوزير، بدلاً من أن تضع هي السياسات وتفرض القواعد».
– قطاع البريد: انتهى عقد «ليبان بوست» وكل التعدّيات التي طرأت عليه في نهاية عام 2023 ـــ حينما كانت حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي، لا تزال قائمة ـــ وبدلاً من أن يصحّح وزير الاتصالات ما ارتكبه سلفه عبر تعديل دفتر الشروط بحسب ما حدّدته الهيئات الرقابية (ديوان المحاسبة وهيئة الشراء العام)، تجاهل القطاع كلياً، رغم أنه يُعتبر عالمياً من القطاعات المربحة.
والأخطر أنه لم تُرصد أي إيرادات من البريد في موازنة 2026، بل تُركت للشركة المشغّلة، أي «ليبان بوست»، مع الإشارة إلى ارتفاع نسبة الخدمات غير البريدية، لصالحها.
– السعات الدولية والكابل البحري: طلب الحاج من مجلس الوزراء الموافقة على عقد اتفاق بالتراضي بقيمة 10 ملايين يورو لإنشاء مسار بحري بين بيروت وطرطوس يربط لبنان بأوروبا عبر منظومة «MEDUSA».
لكن تبيّن أن ثمّة كابلاً قائماً بين بيروت وطرطوس يحمل اسم «BERYTAR» جرى تجاهله عمداً، ودُفعت مبالغ طائلة لقاء كابل مماثل، بدل إعادة تأهيل القديم واختصار الوقت والنفقات، ولا سيما أن كلفة إعادة التأهيل، وفقاً لخبراء، لا تتجاوز المليون دولار. ويشير ذلك إلى هدر في المال العام ويضع الوزير تحت دائرة المُساءلة.
اللافت أن اللجنة قرأت كل تلك الملاحظات على مسامع وزير الاتصالات الذي أعطى تبريرات لم تُقنِع أعضاء اللجنة، خصوصاً في ملف قطاع الخلوي. ويعتزم النواب تقديم سؤال إلى الحكومة بهذا الشأن.
مسار الوزير، بحسب لجنة الاتصالات النيابية، يقود إلى ضرورة محاسبته على كل تلك التجاوزات، خصوصاً أن عنوان الحكومة الحالية هو «الإصلاح»، لكن بما أن الحكومة هي نفسها مَن منحت الحاج الموافقات على مخالفاته، يبقى خيار النواب الأمثل طرح الثقة به في المجلس النيابي.



