يتراجع الدولار مجدداً مقابل اليورو واليوان، في الوقت الذي يسعى فيه القادة الأوروبيون والصينيون إلى تعزيز الدور العالمي لعملاتهم، مستغلين تزايد الشكوك حول الدولار.
ويبدو أن تقلبات أسعار الصرف الأخيرة تسير وفقاً لرغبة جميع الأطراف، ولاسيما الأميركيين.
ومع اقتراب عطلة رأس السنة القمرية، ارتفع اليوان الصيني في السوق الخارجية إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. وقد خسر الدولار 6 في المئة مقابل الرنمينبي منذ بداية العام الماضي.
ويُعدّ ارتفاع اليورو بنسبة 15 في المئة مقابل الدولار خلال الفترة نفسها أكثر وضوحاً، حيث يقترب سعر الصرف من أعلى مستوى له في خمس سنوات فوق 1.20 دولار الذي سجله الشهر الماضي. وتتماشى هذه التحركات مع التصريحات الأخيرة من قادة المنطقتين.
وأفادت مصادر بالبنك المركزي الأوروبي مؤخرا بأن البنك يعتزم دعم دعوته القديمة إلى “يورو عالمي” بتوسيع نطاق سيولة اليورو لتشمل المزيد من الدول، مما يجعل استخدامه في الخارج أسهل وأقل تكلفة، ويعزز دور العملة على الصعيد الدولي.
والثلاثاء، قال مارتن كوخر، رئيس البنك المركزي النمساوي، إن “على المركزي الأوروبي أن يكون مستعدًا لتحوّل كبير.” وأضاف “نشهد اهتمامًا متزايدًا باليورو من قِبل نظرائنا، وأعتقد أن هذا أحد أسباب ارتفاع قيمة اليورو، ولماذا أصبح اليورو ملاذًا آمنًا”.
ووسط سلسلة من الزيارات التجارية رفيعة المستوى ودعوات إلى “عالم متعدد الأقطاب ومتكافئ”، أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ مطلع فبراير مجددًا رغبة بكين في “عملة قوية” تُستخدم على نطاق أوسع في التجارة والتمويل العالميين، وفي الاحتياطيات العالمية.
ويبدو أن المنطقتين تستشعران إعادة نظر من جانب المستثمرين العالميين بشأن هيمنة الدولار المطلقة على النظام المالي العالمي، وذلك بعد عام من الدبلوماسية والسياسة التجارية الأميركية العدوانية والمزعزعة للاستقرار، ويبدو أن الوقت قد حان للتحرك.
لكن الترحيب بانخفاض قيمة الدولار شيء، وتداعيات نظام عالمي جديد يتبنى فيه العديد من المسؤولين في الإدارة الأميركية انخفاض قيمة الدولار شيء آخر. لذا، ينبغي على جميع الأطراف توخي الحذر.
ويسود افتراض منذ أكثر من عام بأن واشنطن مرتاحة لانخفاض قيمة الدولار المصاحب لنوع التحول في الاستثمارات العابرة للحدود، وهو أمر ضروري لإعادة ضبط التجارة العالمية أو الحد من الاختلالات العالمية.
وقد وصف الرئيس دونالد ترامب الانخفاض الحاد في قيمة العملة الاميركية في يناير الماضي بأنه “عظيم”.
وربما يكون وزير الخزانة سكوت بيسنت قد استعان بشعار “الدولار القوي” القديم، وإن كان قد فقد بعضًا من بريقه، إلا أنه لطالما أوضح أن هذا المصطلح لا يشير بالضرورة إلى أسعار الصرف السائدة. ويجادل بأن “الدولار القوي” يشير إلى سياسات تُؤدي في نهاية المطاف إلى تعزيز قوته.
اليوان يمثل 15.5 في المئة من سلة اليورو المرجحة تجاريًا، وهو ما يُقارب وزن الدولار البالغ 17.4 في المئة
وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك تساؤلات حول وجود أي اتفاقيات ضمنية بشأن أسعار الصرف مُضمنة في العديد من الاتفاقيات التجارية الثنائية التي أبرمها ترامب، لاسيما في آسيا.
ولكن بغض النظر عما يجري خلف الكواليس أو ما هي خطط القادة الحقيقية لتدويل العملات، فإن الأسواق مترددة في التخلص من تراجع الدولار مع بداية العام الجديد.
ومن المثير للدهشة، وسط كل هذا القلق بشأن الدولار، أن سعر صرف اليورو مقابل اليوان لم يتغير تقريبًا منذ صدمة التعريفات الأميركية في أبريل الماضي.
وبالنسبة لمنطقتين مترابطتين تجاريًا بشكل كبير، يُعد هذا الاستقرار مهمًا، حتى لو استمر الدولار في الانخفاض مقابل كلتيهما.
وعلى سبيل المثال، يُمثل اليوان 15.5 في المئة من سلة اليورو المرجحة تجاريًا للمركزي الأوروبي، وهو ما يُقارب وزن الدولار البالغ 17.4 في المئة.
وبالمثل، فإن حصة اليورو البالغة 18 في المئة من سلة اليوان المرجحة تجارياً في الصين تكاد تضاهي حصة الدولار.
وبينما تبلغ حصة اليورو في سلة الدولار المرجحة تجارياً في الاحتياطي الفيدرالي نسبة هائلة قدرها 21 في المئة، أي أكثر من ضعف حصة اليوان البالغة 10 في المئة، فمن المرجح أن أي ضعف في الدولار مقابل أي من العملتين سينعكس سريعاً على الأخرى.
وبالنسبة للمستثمرين العابرين للحدود، وخاصةً في سندات الحكومة، يُحدث احتمال ارتفاع قيمة العملة بشكل مطرد على مدى سنوات عديدة فرقًا كبيرًا عند الاختيار بين سندات الخزانة الأميركية ذات العائد الأعلى ونظيراتها الأوروبية أو الصينية.
حصة اليورو البالغة نحو 18 في المئة من سلة اليوان المرجحة تجارياً في الصين تكاد تضاهي حصة الدولار
ويشير تشارلز جيف من شركة جافيكال للأبحاث إلى أن علاوة 220 نقطة أساس على عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل خمس سنوات مقارنةً بالسندات الصينية المماثلة ستُفقد فعليًا في حال انخفاض الدولار بنسبة 10 في المئة أخرى مقابل اليوان بين الآن وعام 2031، مما يجعل الدين الصيني ذو العائد المنخفض أكثر جاذبية.
وقال لرويترز إنه “بالنظر إلى أن التضخم في الصين ظل أقل من نظيره في الولايات المتحدة بما لا يقل عن 200 نقطة أساس لأكثر من خمس سنوات، فإن هذا الارتفاع مُبررٌ من الناحية الأساسية.”
وقد زادت التقارير الصادرة هذا الأسبوع، والتي تفيد بأن الجهات التنظيمية الصينية حثت بنوكها ومستثمريها على إعادة النظر في تركيزهم الكبير على سندات الخزانة الأميركية، من حدة المخاوف بشأن الدولار.
وبالنسبة لديون اليورو، ستكون حسابات العملة للمستثمرين أكثر أهمية، خاصةً وأن قوة سعر الصرف قد تدفع البنك المركزي الأوروبي في نهاية المطاف إلى مزيد من التيسير النقدي.
ولذا، ربما يكون الجميع راضين عن ضعف الدولار في نهاية المطاف، ولا حاجة حقيقية لصفقة كبرى أو اتفاق جديد لإنهاء أكثر من عقد من المبالغة في التقييم؟ وقد يكون هذا صحيحًا. لكن الأسواق قد تتطور بسرعة كبيرة.



