في الوقت الذي تجفّ فيه ينابيع الجبال، وتتحول سهول البقاع إلى أرض متشققة يتربص بها شبح الجفاف، يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم في مواجهة “نكبة مائية” صامتة، قد لا تترك لهم من خيار سوى الهجرة أو العطش، وسط تحذيرات علمية من أن مخزون البلاد من المياه لن يكفي لأكثر من أسبوعين في صيف 2026 “المرعب”.
توقعات مرعبة
تبدأ القصة من نافذة يراقبها اللبنانيون كل صباح، ليس بحثاً عن شمس دافئة، لا بل عن غيمة عابرة قد تكسر حدة “النكبة المائية” الصامتة التي تعيشها البلاد. يقف د. إبراهيم شلهوب، عالم الأرصاد الجوية، خلف نافذته، حاملاً أرقاماً لا تطمئن أحداً. فأنظمة التنبؤ العددي بالطقس (NWP) ترسم مشهداً مرعباً لشهر شباط 2026، حيث يُتوقع تسجيل عجز مطري حاد في شرق المتوسط يتراوح بين 50% و75% أقلّ من المعدلات الطبيعية، وهذا يعني “أننا أمام خطر جفاف جدي”.
يقول شلهوب في حديث إلى “المدن” إن “المشكلة الكبرى في لبنان ليست فقط في قلة الأمطار، بل في انعدام القدرة على التكيف وغياب البنية التحتية. فأكثر من نصف الأمطار التي تهطل في المناطق الساحلية (دون مستوى 500 متر) تذهب سدى في البحر لعدم وجود سدود أو خطط لحمايتها وتخزينها”. وفي المقابل، “نرى دول الجوار، كالأردن وسوريا، قد نجحت في ملء سدودها، ومنها “سد الدريكيش” السوري الذي امتلأ تماماً نتيجة التخطيط السليم، بينما تفتقر المناطق اللبنانية لهذه الوسائل”.
ويضيف أنه “يجب أن نفهم أن علم المناخ Climatology يُبنى على فترة مرجعية مدتها ثلاثون عاماً، وهي الفترة التي نعتمد عليها للمقارنة ومعرفة ما إذا كنا نعيش حالة جفاف أم لا”. ويشرح أن ” لبنان، يعتمد الفترة بين العامين 1991 و2020 كمرحلة مرجعية، وهي البيانات التي يفتقدها الكثيرون ممن ينشرون أرقاماً عشوائية ومجهولة المصدر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مدّعين زوراً استنادهم إلى مصلحة الأرصاد الجوية اللبنانية، ما يضلل الرأي العام في قضية تمس أمنه المائي والغذائي”، موضحاً أنه “يضطر أحياناً للجوء إلى نظام ERA5 Reanalysis الأوروبي للحصول على دقة أعلى في المقارنات العلمية”.
تصحّر محتمل
ويحذر شلهوب من أن “استمرار هذا المسار من الهدر وتجاهل بناء السدود وحماية الموارد، يجعل لبنان يتجه نحو التصحّر المحتم بحلول العام 2040 أو 2050”. والواقع الحالي يشير إلى أن “كميات المياه والثلوج التي هطلت منذ ما بعد صيف 2025 لن تكفي اللبنانيين لأكثر من أسبوعين في حال تحقق سيناريو صيف 2026 الصعب الذي نخشاه.”
الفروقات الحرارية في البترون، شمال لبنان، بين العام 2024 و2025
ارتفاع معدلات الحرارة
في البترون، شمال لبنان، “سُجل ارتفاع في المعدلات السنوية لدرجات الحرارة للعامين 2024 و2025. وهذه هي المشكلة الأكبر التي تواجهنا حالياً، إذ ارتفعت الحرارة بمعدل يتراوح بين أربع درجات ونصف الدرجة وخمس درجات مئوية عن المعدلات السنوية المعتادة، وفقاً لبيانات (ERA5 Reanalysis Climatology) للفترة المرجعية ما بين العامين 1991 و2020″، يقول الدكتور شلهوب.
وبحسب شلهوب، تُظهر النتائج بوضوح أن درجات الحرارة في كلا العامين (2024 و2025) كانت دائماً مرتفعة عن المعدلات المناخية المعتادة، مضيفاً أن “هناك مناطق شهدت ارتفاعاً في درجات الحرارة بشكلٍ شهري في العام 2025 مقارنة بالعام 2024، أو قد يحدث العكس في مناطق أخرى”، مشيراً إلى أنه “عند حساب المعدلات السنوية، بعد جمع كافة أشهر العام 2024 ومقارنتها بمجموع أشهر العام 2025، نجد أن العام 2025 قد سجل ارتفاعاً بمقدار 0.1 درجة مئوية عن العام 2024”. ومع ذلك، فإن “الارتفاع عن المعدلات المناخية المعتادة (Climatology) يبدو جلياً أنه كبير، بل وكبير جداً”.
يقيس شلهوب درجة الحرارة عبر رصدها على ارتفاع مترين عن سطح الأرض. ويقول: “بحكم عملي في هذا المجال في مدينة البترون، يتم أخذ هذه القياسات تحديداً على ارتفاع مترين عن مستوى سطح البحر. هذا الارتفاع يمثل مستوى الغلاف الجوي الذي نعيش فيه نحن البشر”. ويوضح أنه استند في هذه البيانات إلى “نتائج “إعادة التحليل” الصادرة عن نظام ERA5، نظراً إلى عدم توفر بيانات محلية كافية في لبنان يمكن الاعتماد عليها بشكل دقيق”.
خريطة العطش: أرقام “لاري” الصادمة
وبينما يستمر الجدل الإعلامي، تنطق الأرض بأرقامها القاسية عبر سجلات مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية (LARI) حتى تاريخ 29 كانون الثاني 2026. في زحلة والفيضة، قلب البقاع النابض بالزراعة، لم تصل نسبة الهطولات سوى إلى 40% من المعدل العام حتى تاريخ 29 كانون الثاني 2026 (240.2 ملم مقابل 600 ملم)، كما لم تتجاوز في تل عمارة نسبة 44% (262.5 ملم مقابل 592 ملم).
كمية الأمطار الهاطلة خلال 24 ساعة يوم الخميس 29/1/2026
المناطق الساحلية لا تبدو أفضل حالاً؛ ففي لبعا-صيدا بلغت نسبة الهطولات ما نسبته 50% (433.5 ملم مقابل 868 ملم)، وفي العبدّة عكار 51% (449.6 ملم مقابل 877 ملم)، وصولاً إلى الفنار بيروت بنسبة 52% (448.8 ملم مقابل 870 ملم)، وصور بنسبة 56% (361 ملم مقابل 640 ملم).
وحتى في المناطق التي شهدت هطولات بنسبة أعلى، مثل بعقلين الشوف بنسبة 68% (475.2 ملم مقابل 700 ملم)، وكفرشخنا – زغرتا 71% (577.8 ملم مقابل 812 ملم)، وحاصبيا 72% (482.9 ملم مقابل 670 ملم)، والقليعات-كسروان بنسبة 82% (779.2 ملم مقابل 950 ملم)، والقاع بنسبة 83% (148.5 ملم مقابل 180 ملم). مع ذلك، يبقى الواقع مراً؛ فرغم أن هذه الأرقام تتفوق على الموسم الماضي بنسب وصلت إلى 389% في القاع و214% في تل عمارة، إلا أنها تظل عاجزة عن ري عطش الخزانات الجوفية التي استُنزفت تماماً.
الثلوج تلاشت
في مكان آخر من هذه القصة، وتحديداً فوق قمم الجبال التي كانت يوماً مخزناً لـِ “الذهب الأبيض”، يراقب الدكتور نديم فرج الله، مسؤول ملف الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأميركية LAU، مشهد تلاشي الثلوج على القمم. يقول فرج الله في حديث لـ “المدن” إن “التكهن بطبيعة الصيف المقبل بدقة تامة هو أمر في غاية الصعوبة من الناحية العلمية”.
ويضيف أن “ما نشهده حالياً هو واقع مقلق؛ فموجات الحرّ المبكرة التي سجلناها في شهر كانون الثاني 2026، حيث وصلت درجات الحرارة في المرتفعات إلى 19 درجة مئوية، أدت إلى ذوبان سريع وخطير للغطاء الثلجي المحدود الذي لم يتراكم أصلاً إلا فوق مستوى 1200 متر”.
وفق فرج الله، فإن “هذا الذوبان المبكر يمنع تغذية المياه الجوفية التي استُنزفت بشكل حاد خلال العام الماضي نتيجة الضخ الجائر وغير المنظم”.
فرج الله يفتح باباً جديداً حول معضلة توافر البيانات في لبنان، معتبراً أننا “بحاجة ماسة إلى إجراء عملية معايرة (Calibration) دورية ودقيقة لمحطات الرصد لضمان دقة الأرقام الصادرة عنها”، مطالباً “مصلحة الأرصاد الجوية بفتح بياناتها أمام الخبراء والباحثين لتقييم الوضع المائي بوضوح ووضع خطط مبنية على حقائق علمية لا على تكهنات”.
المجلس الوطني للبحوث العلمية
تجدر الإشارة إلى أن معدل المتساقطات السنوي يبلغ 800 ملم/سنة في لبنان، وقد أعلن المجلس الوطني للبحوث العلمية تدنّي المعدل العام بنحو 15% بحيث وصلت الأمطار إلى 600 ملم/سنة في سنوات 2014، 2018، 2021، بالإضافة إلى تراجع بنحو 40% من الغطاء الثلجي العام على الجبال وانحسار فترة غطائه إلى 30 يوماً بعدما كانت 120 يوماً، مما أدى الى الذوبان السريع للثلوج وعدم وجود الوقت الكافي لتغذية المياه الجوفية ومنها الينابيع.
ووفق آخر التقارير الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه (2020-2023) يصل عدد الآبار الرسمية والتابعة لمؤسسات الدولة الى 4000 بئر وتختلف الكميات المسحوبة بحسب المنطقة وحالة البنية التحتية. وتبلغ الكمية الجوفية المستخرجة 800 مليون متر مكعب/ سنة. أما عدد الآبار الخاصة والمرخصة من قبل الوزارة فهو 15 ألف بئر، يستخرج منها سنوياً 300 مليون متر مكتب لأغراض زراعية، منزلية، سياحية وصناعية.
أما في ما يتعلق بعدد الآبار غير المرخصة، فلا توجد عملياً أي إحصائية رسمية دقيقة نظراً لانتشار الحفر العشوائي وغياب الرقابة. إلا أن تقرير البنك الدولي (2022) وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي (2023) يشيران إلى وجود 100 ألف بئر يستخرج منها 700 مليون متر مكعب/سنة، وبذلك يكون معدل حجم الاستهلاك السنوي للمياه الجوفية 1 مليار و 800 مليون متر مكعب/سنة.
تغيير سلوك الأفراد
أما بالنسبة للحلول، فينطلق فرج الله من “وجوب تغيير السلوك الفردي وتطبيق السياسات الصارمة في آن واحد، بحيث يجب وقف عمليات شطف المنازل والأرصفة والسيارات بالخراطيم فوراً والاستعاضة عنها بـ “المسح” لتقليل الهدر”. ويضيف أنه “يجب توفير المياه في أبسط الاستخدامات اليومية مثل الحلاقة، الاستحمام، وجلي الأواني”.
على المستوى الرسمي، “لا بد من فرض عقوبات ومجازاة كل من يستهلك المياه بطريقة جائرة أو يقوم بهدرها علناً”، يقول فرج الله، مشدداً على “إلزام كافة الأبنية، وتحديداً تلك الموجودة على نطاق الساحل اللبناني، بإجراء صيانة فورية وشاملة لخزاناتها للتأكد من عدم وجود أي تسريب مائي، خصوصاً أن نصف سكان لبنان يضطرون اليوم لشراء المياه عبر الصهاريج نتيجة الشح الحاصل وسوء إدارة الموارد المتاحة”.
لغة المليارات
تنتقل القصة إلى أروقة وزارة البيئة اللبنانية، حيث تُرسم خريطة طريق للمستقبل عبر فيديو توعوي يتحدث عن حزمة السياسات المناخية للبنان، المُعدّة من قبل الوزارة وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، الذي حذر من أن “تراجع كميات الأمطار قد يصل إلى 22% مع نهاية القرن الحالي نتيجة الانبعاثات والغازات الدفيئة”.
خريطة طريق 2050 قد توفر على “لبنان 7 مليارات دولار وتزيد الناتج المحلي بنسبة 1.5%”، في تأكيد أن “كل دولار يُستثمر في التنمية المنخفضة الكربون سيعود على لبنان بـ 5 دولارات كعائد تنموي”. وفي الزوايا المظلمة للصحة العامة، يكشف الفيديو أن التحوّل للطاقة النظيفة، التي زاد الاعتماد على حلولها الشمسية 12 مرة مؤخراً، كفيل “بحماية 5000 شخص يموتون سنوياً في لبنان بسبب تلوث الهواء”، وفق الفيديو.
تحول زراعي واستعداد سياسي
ولفهم المسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية في مواجهة هذه الضغوط الدولية والبيئية، تقول ليا القاعي، مستشارة تغير المناخ لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في حديث لـ “المدن”، إن “لبنان قدّم عام 2025 التزاماته الوطنية المحدثة (NDCs) لخفض الانبعاثات، حيث يهدف لخفض الانبعاثات بنسبة 22% كهدف غير مشروط يعتمد على إرادتنا الذاتية ومواردنا المتاحة، وبنسبة 33% كهدف مشروط بتوفر الدعم المالي والتقني الدولي بحلول عام 2035”.
وتكشف القاعي عن مفارقة صادمة؛ فلبنان “حقق فعلياً انخفاضاً بنسبة 32% في انبعاثاته في العام 2022″، لكنها تؤكد بوضوح أن هذا الانخفاض “كان صدفةً نتيجة الانهيار الاقتصادي، وجائحة كورونا، وتراجع استيراد الفيول والوقود والكهرباء، وليس نتيجة سياسات مستدامة أو تخطيط مسبق”. وتشدد القاعي على أن “العائق الأساسي اليوم هو التمويل والحاجة لجذب استثمارات طويلة الأمد بدلاً من الاعتماد فقط على الهبات، مع ضرورة وجود استعداد سياسي حقيقي للتحول في قطاع الكهرباء نحو الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة”.
أما بما يتعلق بالأمن الغذائي، فتروي القاعي قصة التحول الزراعي القسري الذي تقوده وزارة الزراعة “نحو زراعة محاصيل متوسطية مثل التين، اللوز، الزيتون، البقوليات، الرمان، الخوخ، الكرز، والعنب، وهي محاصيل قادرة على النمو في ظل ظروف مناخية صعبة كالجفاف والحرارة العالية بدلاً من التفاح الذي يستهلك كميات هائلة من المياه”. وتنهي كلامها بتذكير حاسم بأن “أجندة 2030 تتماشى تماماً مع اتفاقية باريس”، وأن “كلفة التقاعس ستكون باهظة جداً”.
في الوقت الراهن، يعاني لبنان بالفعل من نقص مائي ينعكس في عدم تلبية الطلب بشكل موثوق. وتصف تقارير منظمة الزراعة والأغذية العالمية FAO لبنان بأنه “غير آمن مائياً” حتى قبل حلول عام 2030 (راجع المدن). وبحسب الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه المحدثة (2020–2035)، من المرجح أن تتفاقم الفجوة المائية بدون تدخلات جذرية. فعلى امتداد العقد المقبل، يتوقع ازدياد الطلب السنوي الكلي (مع عودة النمو الاقتصادي وارتفاع حاجات الري) ليقارب 1.8–2 مليار متر مكعب بحلول عام 2035. بالمقابل قد تتأثر الموارد المتجددة سلباً بتراجع الأمطار 10-20% نتيجة التغير المناخي بحلول عام 2035.
وتتنبأ إحدى الدراسات الحديثة بعجز مائي سنوي يصل إلى نحو 610 مليون م³ بحلول عام 2035 إن استمرت الاتجاهات الحالية – أي أن لبنان قد يحتاج أكثر بحوالي 0.6 مليار م³ مما يمكن لموارده تأمينه سنوياً.
باختصار، يواجه لبنان اليوم ثلاثية قاتلة تتمثل في عجز مطري حاد، غياب للسياسات الاستراتيجية، وتضليل إعلامي يقلل من حجم الكارثة.



