لن تُقدم الحكومة، في جلستها المقرّرة اليوم في بعبدا، على تعديل رواتب وأجور العاملين في القطاع العام. وما يحمله وزير المالية ياسين جابر إلى الجلسة لا يتعدّى كونه دراسة أعدّتها مديرية الصرفيات في وزارته، تتضمّن تصوراً لكيفية منح الموظفين زيادة على رواتبهم. وأقصى ما تقترحه الدراسة هو صرف أربعة رواتب إضافية، في حال وافق مجلس الوزراء عليها، ابتداءً من مطلع آذار المقبل.
هذا هو سقف التقديمات الحكومية، وهو بعيد كل البعد عن مطالب الموظفين، التي تبدأ بمطالبة الأساتذة بمضاعفة رواتبهم 37 مرة، ولا تنتهي عند مطالبة موظفي الإدارة العامة بمنحهم 50% من قيمة رواتبهم كما كانت عام 2019 قبل الانهيار النقدي والمصرفي، وتقسيط الباقي على مدى سنتين حتى عام 2028. ويبدو أن الحكومة ماضية في سياسة التسويف والمماطلة في الإقرار بحق العاملين في القطاع العام بتعديل جذري للرواتب، ومستمرة في اعتماد منطق «الترقيع». فالرواتب الأربعة الإضافية التي تقول وزارة المالية إنها قادرة على منحها للموظفين والمتقاعدين لن ترفع الراتب الشهري سوى بما يتراوح بين 100 و120 دولاراً للموظفين، فيما لن تزيد معاشات المتقاعدين بأكثر من 80 دولاراً شهرياً.
في مقابل التعنّت الحكومي، تبدو روابط الموظفين في موقع المتفرّج غير المبادر، بعدما نجحت قوى السلطة في تنفيس زخم الشارع الذي كان محتقناً عشية إقرار موازنة عام 2026. فقد أعلنت روابط التعليم (الثانوي والأساسي والمهني) في بيان أمس أنها في حال ترقّب وانتظار إلى ما بعد انتهاء الجلسة الحكومية، فيما لم يصدر أي موقف جديد عن رابطة موظفي الإدارة العامة.
مالياً، تتصرف الحكومة بعكس ما تعلنه. فهي تروّج، منذ انتهاء العام الماضي، لتحقيق فوائض مالية، لكنها تتعامل معها كمبالغ مجمّدة غير مخصّصة للصرف. وبحسب مصادر في مجلس الخدمة المدنية، فإن «كلفة الرواتب الأربعة الإضافية للموظفين والمتعاقدين والمتقاعدين تبلغ نحو 27 مليون دولار شهرياً، أي حوالى 325 مليون دولار سنوياً»، وهو رقم أقل بكثير من 1.7 مليار دولار تقول الحكومة إنها وفّرته خلال عام 2025.
ويُشار إلى أن هذه الفوائض تحققت أساساً نتيجة إحجام الدولة عن الإنفاق، إذ تكاد تمتنع عن أي نفقات استثمارية، من صيانة الطرقات (باستثناء طريق المطار) إلى الكهرباء، وصولاً إلى عدم تسديد اشتراكات الأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
أما في ما يخص مشاريع تعديل الرواتب، فتمارس الحكومة سياسة «تقطيع الوقت»، إذ أجّلت البحث في المشروع الرسمي الوحيد الذي وصل إليها، وهو مشروع مجلس الخدمة المدنية. وطلبت من رئيسة المجلس نسرين مشموشي، في نهاية كانون الثاني الماضي، العودة بعد شهر ونصف شهر لعرض خطتها التي تقضي بمنح الموظفين زيادة تدريجية على رواتبهم ابتداءً من عام 2026 وصولاً إلى عام 2030، بحيث يجري خلال هذه المدة رفع الرواتب تدريجياً ليصبح الراتب مضاعفاً بعد خمس سنوات بنحو 46 مرة.
ويُذكر أن الموظف في الخدمة حالياً يتقاضى راتباً أساسه ما كان معتمداً منذ إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، مضاعفاً 13 مرة. ويُضاف إلى هذه الكتلة بدل عدد من صفائح البنزين (يختلف عددها بحسب رتبة الموظف)، إضافة إلى بدل مثابرة يتراوح بين 15 مليون ليرة لموظف الفئة الخامسة و23 مليوناً لموظف الفئة الأولى.
غير أنّ هذه المبالغ الإضافية لا تدخل في أساس الراتب إطلاقاً، إذ ما إن يحال الموظف إلى التقاعد لأي سبب، سواء ببلوغه السن القانونية أو بطلب منه، تسقط جميع هذه الإضافات، ويُحتسب معاشه التقاعدي على أساس 85% من آخر راتب أساسي كان يتقاضاه مضاعفاً 13 مرة، وذلك في حال إتمامه 40 عاماً من الخدمة، بينما تنخفض النسبة كلما تراجع عدد سنوات الخدمة عن هذا الحدّ.



