يزور، غداً، وزير الاتصالات شارل الحاج هيئة «أوجيرو» لمناقشة تطبيق القانون 431 والانتقال إلى «ليبان تيليكوم» التي يفترض أن ينضم إليها شريكٌ استراتيجي بعد سنتين. لكن النقاش، كما قرّر الوزير، لن يكون مع نقابة الموظفين، بل حصراً مع «كبار» المديرين في الهيئة، ما دفع النقابة إلى استقباله بـ«يوم غضب» دعت إليه، حتى لا يتاح للوزير إلغاء تعويضات الصرف المنصوص عنها في القانون 431 أو تلك المرتبطة بصندوق الاستقالات في «أوجيرو». فهل أتى الوزير لتنظيم عملية انتقال نحو «ليبان تيليكوم»، ذات طابع يتضمن قضم حقوق مكاسب الموظفين تمهيداً للشريك الاستراتيجي؟
ثمة جانب أساسي في هذا النقاش، انطلق من القانون 431 الذي صدر في عام 2002 وشكّل إطاراً لإعادة هيكلة قطاع الاتصالات عبر إنشاء «هيئة ناظمة» وشركة اتصالات وطنية «ليبان تيليكوم»، تمهيداً لخصخصة شبه كاملة في القطاع. يومها أدرجت في هذا القانون المادة 49 التي تحفظ إلى حدّ ما الحقوق الانتقالية للموظفين.
إذ إن انتقال الموظفين سواء إلى ملاكات وزارة الاتصالات أو شركة «ليبان تيليكوم»، يتم تحديده من خلال «شروط اختيار»، ويمكن لمن لا تنطبق عليهم هذه الشروط أن يطلبوا «إنهاء خدماتهم» مقابل «تعويض إضافي يوازي مجموع رواتبه وتعويضاته عن 30 شهراً على ألا يقل عن 30 مليون ليرة لبنانية، إذا كان قد مضى على خدمته أكثر من خمس سنوات… أما إذا لم يكن قد مضى عليه مدة خمس سنوات، فيعطى تعويضاً إضافياً يوازي راتب شهرين عن كل سنة خدمة على ألا يقل عن 30 مليون ليرة لبنانية ولا يزيد على 50 مليون ليرة».
أما الموظف الذي تنطبق عليه شروط الاختيار للانتقال إلى «ليبان تيليكوم»، فتتم تصفية حقوقه ثم ينظم له عقد عمل جديد. الواقع، أن المشكلة في هذه المادة لا تتعلق بوضوحها لجهة حفظ الحق الأساسي في ديمومة العمل أو تعويضات الاستقالة، وإنما في قيمة التعويضات المذكورة.
والوزير يتذرّع بنصّ المادة لرفض إدخال تعديلات على قيمة التعويض وهو أبلغ مديري أوجيرو بأن الدولة لا تملك الأموال اللازمة لهذا التعديل. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن المسألة تتعلق بالتطوّر اللاحق بقطاع الاتصالات بين عام 2002 واليوم، ما قد يضع عدداً من الموظفين خارج أي قدرة على العمل في الشركة الناشئة، أو أن بعض هؤلاء قد يجدون فرصاً في العمل لدى القطاع الخاص، ولا سيما أن نطاق عمل شركة «ليبان تيليكوم» وطبيعتها قد تختلف عما تقوم به أوجيرو الآن.
لذا، الأولى أن يتم تنظيم عملية الانتقال وحقوق الموظفين، سواء بالانتقال إلى الشركة الجديدة أو بالاستقالة والحصول على التعويض. وقد نوقش الأمر من زاوية مختلفة، إذ إنّ لدى هيئة أوجيرو الآن صندوقاً لتسديد تعويضات صرف إضافية يتغذّى من اقتطاع نسبة من رواتب العاملين في الهيئة، إلا أنه بعد حالة الإفلاس في البلد وتآكل قيم الرواتب التي تدفع بالليرة، قرّر عدد كبير من الموظفين الاستقالة والحصول على هذا التعويض، ما أدّى إلى «تنشيف» الصندوق. لذا، يطالب الموظفون بالحصول على تغذية من الحكومة لهذا الصندوق حتى يتمكن من تقديم تعويضات مالية مناسبة لمن سيتركون العمل، لكن الوزير يرفض هذا الطلب أيضاً.
بدا لموظفي أوجيرو، أن الوزير يحاول القفز فوق حقوقهم المكتسبة وتعويضاتهم المستحقة سلفاً، وأنه بدلاً من التجاوب معهم في تعديل قيمة المبالغ المنصوص عنها في المادة 49، أو بدلاً من البحث عن طرق لتغذية صندوق الصرف لدى الهيئة، يعمل الوزير في الاتجاه المعاكس، أي في اتجاه الدفع باتجاه ترحيلهم بلا تعويضات «وهو ما يفتح الباب أمام الشريك الاستراتيجي الذي يقال إنه من عائلة الخرافي وهو شريك لبعض أعمال الوزير خارج لبنان» كما يقول مصدر مطلع.
عملياً يسعى الوزير إلى تقديم هذا المسار على أنّه إنجاز «بأقل كلفة ممكنة». غير أنّ الموظفين يرفضون هذه المقاربة، معتبرين أنّ خفض الكلفة يتمّ عملياً على حساب حقوقهم وضماناتهم، وأن الحديث عن تطبيق القانون يتجاهل حقيقة أنّ هذا القانون نفسه لم يعد ملائماً للواقع الحالي من دون تعديل.
لا يمكن تأكيد أو نفي هذه المعلومات، ولكن الواضح أن الانتقال إلى شركة «ليبان تيليكوم» يثير قلق موظفي أوجيرو، ولا سيما أنه يحصل من دون أي وضوح بشأن طبيعة العمل الجديد، ولا الهيكلية الإدارية أو الحقوق المكتسبة، أو شروط الاستمرار الوظيفي.
وبحسب مصدر نقابي، فإنّ الموظفين يشعرون بأنهم «ذاهبون إلى المجهول»، لا سيما أن الوزير يصرّ على تطبيق المادة 49 بصيغتها الحرفية بعد إهمال مبدئها الأساسي الرامي إلى الحفاظ على الحقوق.
ويرفض المصدر النقابي أي كلام ووعود، إذ إن التجارب السابقة علّمت الموظفين أنّ أي التزام غير مثبت بقانون أو تعديل تشريعي يبقى هشاً وقابلاً للتراجع مع أول تغيير سياسي، ولذلك إن النقابة ترفض بشكل قاطع الاكتفاء بالوعود الكلامية، وتطالب بضمانات مكتوبة وصريحة. ففي سياق خطّته لقطع الأكلاف، ألمح الوزير أنه سيوعز إلى مجلس إدارة أوجيرو رفض الاستقالات في حال قُدّمت من أجل نقل كل الموظفين إلى «ليبان تيليكوم»، ما يعني أن الصرف منها لاحقاً بعد توقيع العقود الجديدة سيكون بلا هوادة وبلا حدود دنيا حتى.
ويقول نائب رئيس النقابة مازن حشيشو، إن «يوم الغضب» ليس تحرّكاً رمزياً، بل يشكّل بداية مسار تصعيدي مفتوح، هدفه انتزاع حقوق الموظفين كاملة. ويشير إلى أنّ الخطوات اللاحقة ستُبنى على نتائج اجتماع الوزير مع المدراء، وقد تتدرّج وصولاً إلى الإضراب، معتبراً أنّ عقد هذا الاجتماع بحدّ ذاته هو التفاف على النقابة، في ظل رفضها الواضح لكل الصيغ التي طُرحت عليها خلال الأشهر الماضية.
ويضيف حشيشو أنّ الوزير يتجنّب مواجهة النقابة مباشرة، لأنّها لم توافق على أي من المقترحات المقدّمة، وأنّ الاجتماعات السابقة معهم لم تكن سوى محاولة لتدوير الزوايا وشراء الوقت، من دون تحقيق أي تقدّم فعلي. ويعتبر أنّه لو كانت هناك جدّية حقيقية في معالجة الملف، لكان تعديل القانون قد أُحيل منذ أكثر من عام إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، بدل الإبقاء على الملف في دائرة وعود ومشاورات عقيمة.
وترفض النقابة بشكل قاطع اللجوء إلى مراسيم تنظيمية لمعالجة هذه المسائل التي نصّ عليها القانون (لا يمكن تعديل قانون بمرسوم)، معتبرة أنّ أي حلول عبر المراسيم تبقى مؤقتة وقابلة للإلغاء أو التجاهل مع تغيّر الوزراء، فيما الضمان الحقيقي الوحيد هو تعديل القانون 431 نفسه، ولا سيّما المادة 49، عبر مجلس النواب.
1,200 مستخدم
هو عدد العاملين النظاميين في هيئة أوجيرو بالإضافة إلى نحو 850 مياوماً ونحو 400 موظف ملحقين من وزارة الاتصالات، والمشكلة أن فئة المياومين غير ملحوظة أصلاً في القانون الرقم 431، ما يجعل وضعها القانوني الأكثر هشاشة في أي عملية انتقال أو إعادة هيكلة



