نحو 40% من أكثر من 12 ألف طن من النفايات الطبية الخطرة التي تنتجها المؤسسات الصحية سنوياً، تبقى بلا معالجة، في غياب منظومة وطنية واضحة لإدارتها.
أعاد افتتاح وزارة الصحة، أخيراً، مركز معالجة النفايات الطبية المعدية في مستشفى بيروت الحكومي (الكرنتينا)، التذكير بملف النفايات الخطرة «المخفي» في لبنان.
فعادةً ما تُختصر أزمة النفايات بمشاهد فيضان المكبّات العشوائية أو توقّف المتعهّدين عن الكنس والجمع نتيجة الخلافات على الكلفة مع الجهات المعنية. وخارج هذه السيناريوهات المتكرّرة، نادراً ما يُفتح هذا الملف.
وتتجاوز كمية النفايات الطبية الخطرة التي تنتجها المؤسسات الصحية 12 ألف طن سنوياً، وفق تقديرات مشروع «تدوير» التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
وتكمن خطورة هذا النوع من النفايات في تعدّد أنواعه واختلاف آليات معالجته. فعلى عكس النفايات المنزلية العادية، تُقسَّم النفايات الطبية إلى فئات عدّة، منها: النفايات المعدية، والباثولوجية (كالأنسجة البشرية والأعضاء والمشيمة)، والكيميائية الخطرة، والدوائية، والمشعّة، وتلك السامّة للخلايا. هذا التنوع يجعل إدارتها مسألة تقنية وصحية شديدة الحساسية، تتجاوز في آثارها البعد البيئي إلى مخاطر مباشرة على الصحة العامة. رغم ذلك، تُرك هذا الأمر للمؤسسات الصحية نفسها وقدرتها على التعامل مع مخاطره. وهنا تكمن المشكلة: فمعظم المؤسسات اتجهت إلى تلزيم هذا العبء لشركات بيئية أو جمعيات، وبصورة خاصة لجمعية «آركنسيال» (Arc en Ciel). ورغم أن الجمعية أصبحت الوجهة شبه الثابتة لمعالجة النفايات الطبية الخطرة، إلا أنّ قدراتها تبقى محدودة.
ويوضح رئيس عمليات معالجة النفايات المعدية في الجمعية، مارك كرم، أنّ نطاق عملها يقتصر على النفايات التي تنتجها المؤسسات الصحية «والتي يمكن معالجتها بالماكينات الموجودة لدينا». وهذا يعني وجود جزء آخر لا يمكن تعقيمه وطمره، بل يحتاج إلى حرق على درجات حرارة مرتفعة جداً.
وبالتالي، لا يتجاوز ما يُعالج فعلياً من مجمل النفايات الخطرة التي تنتجها المؤسسات الصحية الـ 60%، ويشمل النفايات المعدية والباثولوجية التي تمر بمسار التعقيم ثم الطمر. أمّا النسبة المتبقية، فلا يمكن معالجتها إطلاقاً، لعدم وجود محرقة متخصصة قادرة على تنفيذ هذه العملية. و«حتى لو أُقيمت محرقة بمواصفات عالمية، فلا ضمانة فعلية لرقابتها أو لمحاسبة الجهات التي قد تسيء استخدامها، بما فيها بعض المستشفيات»، بحسب كرم.
إلى ذلك، هناك نوع ثالث من النفايات لا يُطمر ولا يُحرق، مثل الأدوية المنتهية الصلاحية والمواد الكيميائية المخبرية والأدوية المضادة للسرطان. وتُعالج هذه إمّا بتخزينها، وهو الخيار الأسهل والأكثر سوءاً الذي تلجأ إليه المؤسسات، أو بترحيلها إلى منشآت مرخّصة في الخارج استناداً إلى اتفاقية بازل، وهو خيار يقتصر على المستشفيات الجامعية الكبرى أو القادرة مالياً، بحسب الباحثة المتخصصة في الإدارة البيئية وعضو ائتلاف إدارة النفايات سمر خليل. غير أنّ المشكلة الأخطر تكمن في نفايات العلاجات الكيميائية المضادة للسرطان، إذ تحتوي على مكوّنات كيميائية وبيولوجية بعد اختلاطها بدم المريض أو سوائل جسمه، ما يجعل ترحيلها متعذراً وتخزينها لفترات طويلة أمراً شديد الخطورة.
هذا الشقّ تحديداً يفتح الباب أمام مشكلات أوسع، إذ يعيد ملف النفايات الطبية الخطرة إلى الواجهة ممارسات بعض المستشفيات، ولا سيما «خلط النفايات الخطرة مع النفايات العادية ورميها في المكبّات أو التخلّص منها بطرق غير آمنة، إما بسبب الكلفة أو نتيجة غياب الحلول»، وفق خليل. وهو ما يؤكده كرم، لافتاً إلى أنّ بعض المؤسسات الصحية تتصرّف بلا مسؤولية في إدارة نفاياتها «تهرّباً من الكلفة ومن دون وعي جدّي بمخاطرها». ويشير إلى أنّ ضعف الرقابة يجعل من غير المؤكّد أن تكون الكميات التي تتسلّمها الجمعية دقيقة، إذ «قد يعطيني البعض النصف أو الربع فقط»، فيما تُرمى الكمية المتبقية في المكبّات مع النفايات العادية.
وبحسب خليل، ليست هذه أزمة ثقة ولا مشكلة فردية تخصّ هذا المستشفى أو ذاك، بل «أزمة هيكلية» ناتجة من غياب منظومة وطنية واضحة لإدارة النفايات الصحية الخطرة. وتؤكد أن إنشاء محرقة لا يشكّل حلاً سحرياً، إذ يواجه هذا الخيار في البلاد «تحديات جوهرية، أبرزها غياب مختبرات وطنية قادرة على مراقبة الانبعاثات الهوائية وفحص الديوكسينات والفورانات والمعادن الثقيلة، وعدم وجود آلية واضحة وآمنة للتعامل مع الرماد السام الناتج من الحرق، فضلاً عن ضعف القدرة الرقابية للمؤسسات الرسمية وسوابق غير ناجحة في إدارة منشآت بيئية حسّاسة».
ولذلك، وبعيداً عن الحلول التقنية، فإن الحل الواقعي يتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بـ«وضع سياسة وطنية متكاملة لإدارة النفايات الصحية الخطرة، وتعزيز الفرز داخل المستشفيات لمنع خلط النفايات السامة للخلايا والباثولوجية مع النفايات المعدية، وفرض نظام تتبع للنفايات من المصدر إلى المعالجة»، والأهم من ذلك كله «تطوير قدرات الرقابة والتحليل المخبري لدى الدولة قبل التفكير بإنشاء محارق».



