الرئيسية اقتصاد لبنان الطرق المقطوعة ترفع أسعار المنتجات الزراعية

الطرق المقطوعة ترفع أسعار المنتجات الزراعية

لم يقتصر تأثير التطوّرات الأمنية المستجدّة في لبنان على المشهديْن السياسي والعسكري، بل سرعان ما انعكس على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والمعيشية. فالأسواق التي تشكّل شريانًا أساسيًا لتصريف الإنتاج الزراعي وتأمين حاجات الناس اليومية، باتت بدورها تتأثر بوتيرة الأحداث الأمنية، سواء من حيث حركة البيع والشراء أو مسارات نقل البضائع بين المناطق.

مع كلّ توتر أمني أو إقفال لبعض الطرق، تبدأ الأسواق تشهد تقلّبات ملحوظة، لا سيّما على مستوى الأسعار، حيث يُسارع بعض التجار إلى رفعها مستفيدين من حالة القلق والطلب المتزايد، في حين يترقب آخرون تطوّرات الأوضاع قبل طرح بضائعهم في السوق. ومع هذه المعادلة، يجد المواطن نفسه مجدّدًا أمام ارتفاعات متلاحقة في أسعار السلع الأساسية، فيما يواجه المزارعون بدورهم صعوبات إضافية في تسويق إنتاجهم ونقله.

في خضمّ هذا الواقع، يبرز قلق متزايد من احتمال إغلاق سوق الخضار في بيروت الغربية، أحد أبرز المراكز الحيوية لتصريف الإنتاج الزراعي وتزويد العاصمة وضواحيها بحاجاتها اليومية. وهو احتمال، إن حصل، قد يفتح الباب أمام إشكاليات كبيرة تتعلّق بمصير البضائع الزراعية وآلية توزيعها، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على حركة الأسواق وعلى مئات آلاف العائلات التي تعتمد على هذه السوق لتأمين احتياجاتها الأساسية.

الإنتاج المحلّي متوافر

يوضح رئيس الاتحاد الوطني للفلّاحين في لبنان، إبراهيم ترشيشي، لـ “نداء الوطن”، أنه “لا يوجد أي نقص في السلع أو الأصناف الزراعية في الأسواق، فالبضائع متوافرة ومؤمَّنة، إلّا أن حركة البيع والأسعار تتأثر أحيانًا بالوضع الأمني وبوتيرة حركة الناس في الأسواق. فالأسواق الهادئة مثل سوق الفرزل وسوق الشرقية وسوق طرابلس وغيرها من الأسواق التي تشهد حركة طبيعية، من الطبيعي أن ترتفع الأسعار فيها، بينما قد تشهد بعض التقلّبات الموقتة في حال حصول توترات أو إغلاق طرق، في المقابل هناك بعض الأسواق التي تشهد نوعًا من الكساد”.

ويشرح أن “بعض الأمثلة تعكس هذا الواقع، إذ يكفي أن تُقفل طريق رئيسية ليوم واحد حتى ترتفع الأسعار بشكل ملحوظ، ثمّ تعود وتنخفض فور إعادة فتح الطريق واستئناف حركة السوق، حيث تتراجع الأسعار مجدّدًا وتعود إلى مستوياتها الطبيعية”.

ويؤكد أن “لا داعي للقلق أو للتخزين المسبق، لأن الاستيراد ما زال مفتوحًا، وحركة دخول البضائع إلى الأسواق مستمرّة”.

يضيف أن “بعض الشائعات التي انتشرت أخيرًا حول توقف بعض الأسواق أو تعرّضها للاستهداف تبيّن لاحقًا أنها غير دقيقة، وقد تسبّبت فقط في حالة من البلبلة وتأخير محدود في دخول بعض الشحنات المستوردة”.

أمّا على مستوى الأسعار، فيلفت ترشيشي إلى أن “الإنتاج المحلّي متوافر بكميات جيّدة، فصندوق الخس يتراوح سعره في حدود 200 إلى 300 ألف ليرة، فيما تباع ربطة البقدونس أو النعنع أو البقلة بنحو 20 ألف ليرة تقريبًا. ويختصر بالقول إن معظم المنتجات المحلّية متوافرة وبأسعار مقبولة، باستثناء البندورة التي تشهد ارتفاعًا نسبيًا، في حين أن بعض السلع المستوردة تبقى أسعارها أعلى قليلًا نتيجة ارتفاعها في بلد المنشأ”.

عزل المناطق الزراعية

يشدّد ترشيشي على أن “المزارعين ما زالوا قادرين على الإنتاج والقطاف ونقل محاصيلهم رغم الصعوبات”، مؤكدًا أن “السوق لا تعاني أي انقطاع في الأصناف”. لكنه يعبّر في المقابل عن “قلقه من احتمال تأثر المناطق الزراعية، ولا سيّما في الجنوب، إذا ما تعرّضت للعزلة أو تعطّلت إمكانية الوصول إلى الأراضي والبساتين، لأن ذلك قد ينعكس سلبًا على المزارعين ومصادر رزقهم”.

ويأمل، أن “تبقى الأوضاع مستقرّة وألا تُفرض أي عزلة على تلك المناطق، لما لذلك من تأثير مباشر على الناس وعلى القطاع الزراعي الذي يشكّل مصدر عيش لعدد كبير من العائلات”.

احتمال إغلاق سوق بيروت

يتطرّق ترشيشي إلى “مشكلة بالغة الحساسية تتمثل في احتمال إغلاق سوق الخضار في بيروت الغربية، وهو أمر إن حصل من شأنه أن يتسبّب في إشكالية كبيرة على أكثر من مستوى. فالسوق تشكّل نقطة أساسية لتصريف الإنتاج الزراعي وتزويد عدد كبير من السكان بحاجاتهم اليومية، ما يعني أن أيّ تعطّل في عملها قد ينعكس مباشرة على حركة التوزيع والبيع، ويطرح تساؤلات جدية حول كيفية تصريف البضائع وتأمينها للناس في العاصمة والمناطق المحيطة”، حيث يلفت ترشيشي إلى أن “الأنظار اليوم تتجه إلى سوق الخضار في بيروت الغربية، ولا سيّما السوق القائمة قرب السفارة الكويتية، بعدما جرى تداول حديث عن احتمال إخلائها أو إقفالها. ويطرح السؤال الذي يقلق الكثيرين: هل يمكن أن تُقفل هذه السوق؟ لأن إقفالها، في حال حصل، سيترك انعكاسات كبيرة على حركة البيع والشراء في العاصمة”.

ويشرح أن “هذه السوق تشكّل نقطة أساسية لتصريف المنتجات الزراعية وتزويد السكان بحاجاتهم اليومية، إذ يعتمد عليها عدد كبير من أهالي بيروت والمناطق المجاورة، ويقدَّر عددهم بأكثر من مليون نسمة. لذلك فإن أيّ قرار بإقفالها سيطرح تحدّيات كبيرة، سواء لجهة تصريف البضائع الزراعية أو لجهة تأمين حاجات الناس من الخضار والفاكهة”.

كما يلفت إلى “معاناة كثير من العاملين في هذا القطاع، ولا سيّما المزارعين والباعة الذين اضطرّ بعضهم إلى مغادرة منازلهم في الجنوب بسبب الظروف الصعبة، وترك أعمالهم ومصالحهم خلفهم. فهؤلاء، كما يقول، يعيشون اليوم ظروفًا قاسية، بعدما وجدوا أنفسهم بعيدين من بيوتهم وأرزاقهم، في ظلّ واقع مليء بالضغوط والتحدّيات”.

المحروقات ترفع الكلفة

يثير ترشيشي مسألة المحروقات، على أنها “من أبرز المشاكل التي يواجهها المزارعون حاليًا، لجهة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وصعوبة تأمينها”. ويوضح أن صدور التسعيرة الرسمية لا يحّل المشكلة فعليًا على الأرض، إذ إن المزارع يحتاج قبل أي شيء إلى توفر المازوت أو البنزين لتشغيل معداته ومولّداته، بينما كثيرًا ما يواجه نقصًا في الكميات المتاحة”.

يضيف أن “بعض المزارعين يقصدون الموزعين لشراء المازوت، فيقول لهم هؤلاء إن السعر محدّد وفق التسعيرة، لكن الكميات غير متوافرة، أو إن الموزع لم يحصل على حصّته في ذلك اليوم. وفي حالات أخرى يقال إن المخزون غير موجود في المستودعات. وبالتالي تصبح التسعيرة، في نظرهم، غير كافية ما لم تقترن بتطبيق صارم على الأرض يضمن توفر المادة”.

ويعتبر أن “المشكلة تكمن في ضعف الرقابة على السوق، إذ إن بعض التجار أو الشركات قد لا يلتزمون فعليًا بالأسعار المحدّدة أو يقومون بتسليم كميات محدودة فقط، في حين يلجأ البعض إلى تخزين المازوت في انتظار ارتفاع الأسعار أكثر. ويشير إلى أن هناك من يترقب ارتفاع سعر النفط عالميًا، وربّما وصوله إلى مستويات أعلى، قبل طرح الكميات المخزنة في السوق”.

وهنا يؤكد أن “هذه الممارسات تزيد من كلفة الإنتاج الزراعي وتضع المزارعين أمام أعباء إضافية، في وقت هم بأمسّ الحاجة فيه إلى استقرار أسعار المحروقات وتوافرها بشكل منتظم لضمان استمرار العمل في الأراضي الزراعية والإنتاج”.

في ختام حديثه، يؤكد ترشيشي أن “الأولوية في هذه المرحلة ليست للربح أو للخسارة أو حتى لمستوى الأسعار، بل للاستمرار في تأمين البضائع في الأسواق كي يتمكن المزارع من متابعة القطاف والتسويق، ويتمكن الناس بدورهم من شراء حاجاتهم الأساسية. المهم اليوم، بحسب قوله، أن تبقى الأسواق مفتوحة وأن تتوافر السلع، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يمرّ بها اللبنانيون”.

مصدرنداء الوطن - رماح هاشم
المادة السابقةفايننشال تايمز: دول الخليج تدرس سحب استثماراتها من الخارج
المقالة القادمةلبنان أغلى وجهة لاستقبال 200 دولار من الولايات المتحدة