قرّرت وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية ضخّ نفط من احتياطيات الدول الأعضاء لتغطية النقص في المعروض السوقي بعدما أدّت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، إلى وقف عمليات الإنتاج ووقف تصدير الكميات عبر مضيق هرمز. وتعتقد الوكالة أن ضخّ 400 مليون برميل من النفط من أصل 1.2 مليون برميل لدى 32 عضواً فيها، قد يُسهِم بشكل فعّال في احتواء هذا النقص في الإمدادات البالغ 6% من الإنتاج العالمي، وفي تقليص احتمالات حصول صدمة نفطية تحفّز ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.
ووصفت صحيفة «ذا غارديان» قرار الوكالة بأنه أكبر عملية «إفراج عن مخزونات النفط الاستراتيجية في تاريخها» في محاولة لتهدئة الأسواق بعدما استطاعت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة أن تسيطر، نسبياً، على سعر النفط الذي قفز إلى 119 دولاراً للبرميل الواحد يوم الإثنين الماضي، قبل أن ينخفض إلى ما دون 90 دولاراً للبرميل بعد تصريحات الرئيس دونالد ترامب عن احتمال انتهاء الحرب.
لكنّ مفعول تصريح ترامب لم يدم طويلاً، إذ بدأت تشعر الأسواق بأن المسألة لا يمكن معالجتها بالتصريحات مقابل وقف الإنتاج في عدد من الدول العربية. عندها تدخّلت الوكالة للقيام بهذه العملية لضخّ كميات في السوق تتجاوز بكثير ما قامت به في عام 2022 عندما ضخّت 182 مليون برميل لتهدئة السوق بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وما يُظهِر حجم الأزمة الحالية، هو أن 400 مليون برميل تمثّل نحو ثلث المخزون الحكومي الطارئ لدى الدول الأعضاء، إذ تشير بيانات الوكالة إلى أن الدول الأعضاء فيها، ومعظمها من الدول الصناعية في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا، تملك أكثر من 1.2 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية الحكومية، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل أخرى مُخزّنة لدى الشركات الخاصة بموجب التزامات حكومية. وقد أُنشئت هذه المخزونات أساساً بعد أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، لاستخدامها في مواجهة صدمات في الإمدادات العالمية أو ارتفاعات حادّة في الأسعار.
تملك الدول الأعضاء في منظمة الطاقة الدولية أكثر من 1.2 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية
بحسب التقديرات فإن إقفال مضيق هرمز يُفقِد السوق ما بين 15 و20 مليون برميل يومياً، ما يعني أن الكميات التي ستضخّها الدول الأعضاء في الوكالة تكفي لتغطية ما بين 20 و26 يوماً من الأزمة، علماً أنْ لا دلالة حسّية على أن الحرب ستنتهي قبل هذه المدّة. لكن ما هو واضح أن الأمر لا يتعلّق بتحفيز العرض السوقي فحسب، إذ إن الأسواق المالية تشكّل عاملاً مؤثّراً في أسواق النفط بعدما أصبحت العقود الآجلة أداة للمضاربة المالية لتحقيق الأرباح من تقلّبات الأسعار.
وجود هذه الأدوات يجعل الأسواق أكثر تقلّباً وأكثر عرضةً للتوقّعات. لذلك، حتى لو استطاع قرار الوكالة أن يؤمّن العرض اللازم لتغطية الطلب في السوق الفعلية، فليس من الضروري أن يكون كافياً لتغطية الطلب في السوق المالية، التي تنعكس في نهاية الأمر على الأسعار.
كما أن هذه التوقّعات لن تبقى متأثّرة كثيراً بتصريحات الرئيس الأميركي، إذ إنها بمرور الوقت ترى أن الجانب الآخر لا خطط لديه لوقف الحرب على توقيت الرئيس الأميركي.
كما أن هذه التوقّعات ترى أن الحرب الآن أصبحت تشمل بشكل فعلي البنى التحتية النفطية في المنطقة، وانعكاسات هذا الأمر على القدرة المستقبلية لإنتاج النفط فيها. بمعنى آخر، الإجراءات الغربية، سواء عبر تهدئة السوق عبر التصريحات، أو من خلال ضخّ النفط من الاحتياطيات، لن تصمد كثيراً أمام ما يجري على الأرض، وهو ما سينعكس من خلال ارتفاع سعر النفط يوماً بعد يوم، حتى تصحّ التوقّعات التي قالت إنه قد يصل إلى 200 دولار.



