في حال كان أمد الصراع قصيرًا لا يتجاوز الشهر، فإن لبنان سيحتاج إلى نحو مليار دولار بشكل فوري لترميم الأضرار المباشرة في البنية التحتية والوحدات السكنية. أما في حال كان النزاع متوسط الأمد، فسيدخل الاقتصاد في الركود العميق وستنهار إيرادات الخزينة بنسبة قد تصل إلى 50 % وقد ترتفع كلفة المعيشة بنسبة 200 % إضافية. أما السيناريو الأسوأ في حال أصبح النزاع مفتوحًا، فسيتحوّل لبنان إلى “اقتصاد معطل” بنيويًا وستصل معدلات الفقر إلى 90 %.
منذ وقوع الأزمة المالية النظامية في لبنان في 2019، لم تفلح البلاد في إطلاق عجلة الإصلاح والإنقاذ، إما بفعل فاعل أي بسبب الطبقة السياسية الحاكمة التي تلكأت طوال السنوات الماضية عن ابتكار الحلول وإقرار القوانين المطلوبة، وإما بفعل الظروف الأمنية القاهرة نتيجة اندلاع الحروب. كانت نتيجة كلّ عام تأخير، انكماشًا اضافيًا، تضخمًا اضافيًا، تعثرًا ماليًا، تراجعًا في القدرة الشرائية، وارتفاعًا في البطالة والهجرة، وغيرها من تراجعات في المؤشرات الاقصادية لدرجة أصبحت الأزمة متشعّبة وعميقة وباتت الحلول معقدة لا ترضي أيًّا من الأطراف المعنيّة المسؤولة وغير المسؤولة.
أخيرًا، وبعد ان أسفرت الضغوطات الخارجية بالتعاون مع الحكومة الحالية، عن بداية فعلية لما يمكن أن يسمّى إصلاحًا ماليًا واقتصاديًا، ولو لم يكن مرضيًا ويحتاج إلى تعديلات جوهرية لتصويبه، خرج مشروع قانون الفجوة المالية المنتظر منذ سنوات وأقرته الحكومة. في الموازاة، أقرّ مجلس النواب موازنة 2026، وجرى تنفيذ بعض شروط المجتمع الدولي للخروج من اللائحة الرمادية ومكافحة الاقتصاد النقدي والأسود عبر بعض التدابير الجمركية والضريبية وضبط الحدود والتعاملات المالية خارج النظام المصرفي ولو بشكل خجول. لكن الحرب اندلعت من جديد وفرملت عجلات قطار الإصلاح لأجل غير مسمّى لتصبح أولويات الدولة والحكومة أمنية أوّلاً، ومعيشية ثانيًا لناحية تأمين مسلتزمات النازحين والتحوّط للأسوأ في محاولة للتخفيف من تداعيات الحرب على مختلف الأصعدة.
كيف سيصبح الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي وفقًا لأمد الحرب؟
في هذا الإطار، اعتبر الخبير الاقتصادي بيار الخوري أن اللحظة الراهنة تتسم بحساسية فائقة، حيث دخل لبنان منذ الأسبوع الأول من آذار 2026 في طور جديد من التصعيد الإقليمي الذي أحدث صدمة فورية في المؤشرات الاقتصادية، إذ تشير تقديرات معهد التمويل الدولي ومحللين ماليين إلى أن استمرار الأعمال العدائية بهذا الزخم سيؤدي إلى انكماش في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 7 % و10 % في نهاية العام، مع تراجع حاد في إيرادات الدولة يُقدر بخسارة تتراوح بين مليار وملياري دولار من المداخيل الضريبية والجمركية المتوقعة، وهذا النزيف اليومي للكلفة الاقتصادية الإجمالية بات يُقدر بنحو 32 مليون دولار يوميًا، منها 16 مليون دولار كخسائر صافية في التدفقات والإنتاج والخدمات.
انهيار الموازنة
على مستوى المالية العامة، أوضح الخوري أن موازنة 2026 التي كانت تهدف لتصفير العجز تواجه اليوم خطر الانهيار العملي، حيث تسببت الموجات الجديدة من النزوح (أكثر من 400 ألف نازح جديد في الأسبوع الأول من آذار) في قفزة مفاجئة في النفقات الإغاثية والطبية، تزامنًا مع تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى 104 دولارات للبرميل، مما يفرض ضغوطًا هائلة على تكاليف الطاقة والنقل، ويؤدي إلى تراجع الجباية في المرافق الحيوية مثل المطار والمرفأ نتيجة التهديدات الأمنية إلى تعميق الفجوة التمويلية، مما يثير مخاوف جدية من لجوء الدولة للتمويل النقدي عبر المصرف المركزي، وهو ما قد يدفع سعر صرف الدولار نحو مستويات قياسية جديدة قد تتجاوز 120 ألف ليرة في حال طال أمد الصراع.
خطر اجتماعي وغذائي
اجتماعيًا، اشار الخوري إلى أن الأسبوع الأخير سجل تدميرًا إضافيًا في الوحدات السكنية تجاوز 200 ألف وحدة متضررة تراكميًا، مع توقف أكثر من 70 % من المؤسسات في المناطق الساخنة عن العمل كليًا، مما يرفع معدلات البطالة الفورية ويضع 80 % من السكان تحت تهديد انعدام الأمن الغذائي، ومع استمرار تعطيل القوانين الإصلاحية، باتت ثقة المستثمرين في أدنى مستوياتها التاريخية، حيث يُنظر إلى لبنان حاليًا كمنطقة نزاع مفتوح تفتقر للحد الأدنى من الانتظام المالي والتشريعي، مما يجعل استدامة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والتعليم والصحة في مهب الريح ما لم يتم تدارك الموقف برؤية طارئة تتوافق مع معطيات “اقتصاد الحرب” الذي فرضه الواقع الجديد.
واعتبر الخوري ان قراءة المشهد الاقتصادي اللبناني في ظل التصعيد العنيف الذي بدأ مطلع آذار 2026 تتطلب كذلك مقاربة ديناميكية تعتمد على “نماذج محاكاة الصدمات”، حيث إن الكلفة لا تقاس فقط بحجم الدمار المادي، بل بتعطل التدفقات المالية وفقدان الفرص البديلة، مقدّمًا تحليلاً للسيناريوات الثلاثة المحتملة وتأثيراتها على الواقع المالي والاجتماعي:
– السيناريو الأول: صراع قصير الأمد (لا يتجاوز الشهر)
يفترض هذا المسار التوصل إلى وقف إطلاق نار سريع خلال آذار 2026، وهنا تقتصر الأضرار على “صدمة سيولة” حادة ولكنها موقتة، حيث يقدر انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2 % إلى 3 % إضافية، مع تراجع في إيرادات الدولة بنسبة 15 % نتيجة تعطل الجباية والنشاط السياحي القصير، وتظل الفجوة المالية في موازنة 2026 قابلة للاحتواء عبر إعادة تخصيص بعض البنود، بينما تبقى الضغوط على سعر الصرف محصورة ضمن هوامش تدخل المصرف المركزي، ومع ذلك، سيحتاج لبنان إلى نحو مليار دولار بشكل فوري لترميم الأضرار المباشرة في البنية التحتية والوحدات السكنية التي دمرت في هذا الشهر.
– السيناريو الثاني: نزاع متوسط الأمد (من شهرين إلى ستة أشهر)
في حال استمرار الحرب حتى خريف 2026، سينتقل الاقتصاد من حالة الصدمة إلى “الركود العميق”، حيث تشير المحاكاة إلى انكماش الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 10 % و15 %، وسيشهد هذا السيناريو انهيارًا في إيرادات الخزينة بنسبة قد تصل إلى 50 %، مما يدفع العجز المالي إلى مستويات غير مسبوقة تضطر الدولة معها إلى التوقف عن تمويل نفقات غير الرواتب، وستقفز معدلات البطالة لتتجاوز 40 % مع إغلاق دائم لآلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما سيتعرض الاستقرار النقدي لهزات عنيفة نتيجة تآكل الاحتياطيات بالعملة الأجنبية، مما يرفع كلفة المعيشة بنسبة 200 % إضافية بسبب تعطل سلاسل التوريد وارتفاع كلفة التأمين والشحن.
– السيناريو الثالث: صراع طويل الأمد (نزاع مفتوح أو استنزاف)
يعد هذا السيناريو هو الأكثر قتامة، حيث يتحول لبنان إلى “اقتصاد معطل” بنيويًا، مع انكماش قد يتجاوز 25 % من الناتج المحلي، وفي هذه الحالة، ستفقد الدولة سيطرتها على الموازنة العامة بالكامل، وتتحول الميزانية إلى أرقام صورية في ظل غياب الجباية وتوقف المرافق الحيوية كالمطار والمرفأ لفترات طويلة، وستصل معدلات الفقر إلى 90 % مع انهيار كامل في شبكات الأمان الاجتماعي والخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة، كما سيؤدي غياب القوانين الإصلاحية في هذا المناخ إلى عزل لبنان ماليًا عن النظام العالمي، مما يجعل أي عملية إعادة إعمار مستقبلية مرتبطة بشروط سياسية ومالية قاسية جدًا، وتقدر كلفة استعادة حجم الاقتصاد لما قبل آذار 2026 في هذا السيناريو بأكثر من عقد من الزمن.



