تعطل مضيق هرمز لا يؤثر فقط على النفط والغاز، بل يطال تجارة الأسمدة، التي يمر جزء كبير منها عبر هذا الممر الحيوي. ومع ارتفاع أسعارها تتزايد المخاوف من انعكاس ذلك على الإنتاج الزراعي.
لم يعد الصراع الدائر حول إيران مواجهة عسكرية محدودة الأهداف، بل تحول إلى أزمة متعددة المستويات تمتد آثارها من أسواق الطاقة إلى الأمن الغذائي العالمي. ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال، يجد العالم نفسه أمام اختبار جديد لهشاشة نظامه الاقتصادي في وقت تتسم فيه التوازنات الدولية بالاضطراب.
هذا التطور لا يعيد فقط إلى الواجهة مشاهد صدمات النفط في سبعينات القرن الماضي، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام واقع أكثر تعقيدًا. فالتشابك العميق بين أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد يجعل أي اضطراب في الإمدادات عاملًا مضاعفًا للأزمات، لا مجرد خلل عابر يمكن احتواؤه. منذ 28 فبراير/شباط، مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران، أُوقف مرور نحو 20 في المئة من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، ما أدى إلى اضطراب فوري في الأسواق العالمية.
وفي الوقت نفسه استهدفت الضربات المتبادلة البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، ما تسبب في أضرار كبيرة لحقول الغاز ومصافي النفط والموانئ، مع تقديرات بأن إصلاحها سيستغرق سنوات. ووصفت وكالة الطاقة الدولية هذه الأزمة بأنها أسوأ اضطراب عالمي في قطاع الطاقة منذ عقود، متجاوزة حتى حظر النفط العربي عام 1973.
صدمة عرض
في جوهرها تمثل الأزمة صدمة عرض واضحة، نتيجة فقدان مئات الملايين من البراميل خلال أسابيع قليلة وارتفاع الأسعار بنحو 50 في المئة لتتجاوز 110 دولارات للبرميل، مع مستويات قياسية لبعض الأسواق الآسيوية. خصوصية هذه الصدمة تكمن في ضربها نظامًا اقتصاديًا يعتمد على الطاقة في كل مفاصله: من النقل إلى الصناعة وصولًا إلى الزراعة.
وتوسّع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت النفط والغاز معًا، مضيفًا بعدًا جديدًا للأزمة. فالغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة العالمي، يواجه اضطرابات حادة، مع استهداف منشآت الإنتاج والتسييل في الخليج، وقد تستغرق إعادة تعويض بعض هذه الخسائر سنوات، ما يزيد حالة عدم اليقين.
من الوفرة النسبية إلى اقتصاد الندرة
تدفع هذه التطورات أسواق الطاقة نحو “اقتصاد الندرة”، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بكلفة الطاقة فقط، بل بتوافرها من الأساس. ومع محدودية الخيارات لتعويض النقص، تتجه الأسواق إلى آلية أكثر قسوة لإعادة التوازن: ارتفاع الأسعار إلى مستويات تجبر على تقليص الاستهلاك.
ما يعرف اقتصاديًا بـ”تدمير الطلب” صار ملموسًا، إذ يُجبر المستهلك -فردًا أو مؤسسة- على إعادة ترتيب أولوياته تحت ضغط الكلفة. وقد بدأت مظاهر هذا التحول في الظهور عبر إجراءات حكومية لتقليص السفر، وفرض قيود على الوقود، وتعديل أنماط العمل والإنتاج.
وعرضت وكالة الطاقة الدولية مقترحات إضافية لتقليص الطلب، مثل العمل من المنزل وتجنب السفر الجوي، الذي شهد اضطرابات إثر إغلاق مطارات رئيسية في الشرق الأوسط. كما صُرفت كمية قياسية من مخزونات الطوارئ بلغت 400 مليون برميل، إلا أن المحللين يعتبرون ذلك حلاً قصير الأجل، يغطي حوالي 20 يومًا فقط من تأثير الحرب.
بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز يواجه العالم مرحلة جديدة من الضغوط عنوانها ارتفاع الكلفة وتراجع اليقين
وقالت ناتاشا كانيفا، محللة في جيه.بي مورغان، إن خفض الطلب هو الحل الوحيد عندما تنخفض الإمدادات، وأضافت “تواجه السوق نقصًا حادًا في المنتجات (…) لا يمكن استهلاكها لمجرد أنها غير متوفرة”.
على سبيل المثال، ارتفعت أسعار وقود الطائرات في أوروبا إلى نحو 220 دولارًا للبرميل، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار تذاكر الطيران، بينما تجاوزت أسعار البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة أربعة دولارات للجالون، رغم اعتمادها المحدود على نفط الشرق الأوسط.
ارتدادات سياسية داخلية
لا تنفصل هذه التحولات الاقتصادية عن آثارها السياسية. فارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم ويضع الحكومات أمام ضغوط داخلية متزايدة. وفي الولايات المتحدة، يتحول سعر البنزين إلى عامل ضغط مباشر على الإدارة، في وقت تسعى فيه لتبرير خياراتها في إدارة الصراع.
أما في أوروبا وآسيا، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة يهدد بإبطاء النمو الاقتصادي ويزيد الضغوط على الصناعات، خصوصًا في ظل الاعتماد الكبير على واردات الغاز، ما يفتح النقاش حول أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على مناطق التوتر.
الخطر الأكبر قد يكمن في انتقال الأزمة من قطاع الطاقة إلى الغذاء. فتعطل مضيق هرمز لا يؤثر فقط على النفط والغاز، بل يطال تجارة الأسمدة، التي يمر جزء كبير منها عبر هذا الممر الحيوي. ومع ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة ملحوظة، تتزايد المخاوف من انعكاس ذلك على الإنتاج الزراعي.
تعد هذه الحلقة نقطة تحول حقيقية؛ إذ أي تراجع في استخدام الأسمدة، أو ارتفاع كلفتها، ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء. وفي عالم يعتمد فيه جزء كبير من الإنتاج الزراعي على هذه المدخلات، فإن التداعيات قد تكون واسعة، خصوصًا في الدول النامية.
في مواجهة هذه التطورات لجأت الدول إلى أدوات الطوارئ، من السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية إلى فرض قيود لترشيد الاستهلاك، لكنها تبقى محدودة الفاعلية. فالمخزونات توفر حلًا مؤقتًا، بينما يتطلب استقرار الأسواق عودة التدفقات الطبيعية عبر الممرات الحيوية. ومع استمرار استهداف منشآت الطاقة، يرتبط التعافي مباشرة بتطورات الصراع نفسه.
إعادة تشكيل الأولويات
تطرح الأزمة أسئلة أعمق حول مستقبل نظام الطاقة العالمي. فتعطّل ممر حيوي مثل مضيق هرمز يبرز مخاطر الاعتماد على نقاط اختناق جيوسياسية، ويدفع باتجاه البحث عن بدائل عبر تنويع مصادر الإمداد أو الاستثمار في الطاقة البديلة.
لكن هذه التحولات تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، ما يعني أن العالم سيبقى معرضًا لتقلبات مماثلة على المدى المنظور، مع تداعيات اقتصادية وسياسية مستمرة.
وبالنتيجة، تكشف الحرب على إيران عن وجه آخر للصراعات المعاصرة، حيث لا تتوقف الكلفة عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من أسعار الوقود إلى كلفة الغذاء.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، يواجه العالم مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية، عنوانها ارتفاع الكلفة وتراجع اليقين، وهي معادلة تضع الجميع -دولًا ومجتمعات- أمام اختبار صعب في القدرة على التكيف مع واقع أكثر قسوة.



