عادت قضية «عقود المصالحات» بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمستشفيات الخاصة إلى الواجهة، من باب ارتفاع أسعار المحروقات
مع كلّ تضخم في الأسعار، تعود قضيّة «عقود المصالحات» بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمستشفيات الخاصة إلى الواجهة، مع استنفار الأخيرة لتحصيل مستحقّاتها من الصندوق. القضية عادت اليوم من باب التسعيرة الجديدة للمحروقات التي انعكست على خدمات المؤسسات الصحية، بما في ذلك الطعام الذي «سجّل زيادة بنسبة 15%»، وفقاً لنقيب أصحاب المستشفيات الخاصة، بيار يارد.
دفعت هذه الزيادة النقابة إلى طلب اجتماع مع المدير العام للصندوق، محمد كركي، لعرض قائمة مطالبها؛ من عقود المصالحات إلى زيادة السلف المالية وتعديل التعرفات. وتضع النقابة مطلب العقود في رأس القائمة لـ«حاجة المستشفيات إليها في هذا الظرف بالذات حرصاً على بقاء الخدمات متوفّرة، أضف إلى المدة الزمنية التي تغطيها»، وهو ما سارع «الضمان» إلى الاستجابة له، داعياً المستشفيات إلى تقديم معاملاتها لتسوية مستحقّاتها.
ووفقاً للنقابة، فإن قيمة ما للمستشفيات في ذمّة الصندوق تفوق 200 مليار ليرة لبنانية «إن لم نقل 300 مليار»، يقول يارد. وهي عن سنوات يقدّرها النقيب بقرابة 13 عاماً (من 2011 إلى 2024)، من دون أن يعني ذلك أن الرقم نهائي أو دقيق، بانتظار أن تحوّل المستشفيات كشوفات المعاملات إلى الصندوق لتدقيقها. لكن، رغم الديون المستحقّة، إلا أن ثمّة تبايناً في التقديرات بين ما تريده المستشفيات من الصندوق وما يراه الصندوق حقاً لها. التباين يبدأ من المدة التي ترفض مصادر «الضمان» سريانها من عام 2011، باستثناء «بعض المستشفيات التي لها مستحقّات عن بعض الأعوام التي تسبق 2017»، وصولاً إلى القيمة، التي تستبعد المصادر وصولها إلى هذا المبلغ.
هذا التباين بالذات هو ما يفسد الودّ بين الطرفين في كثير من الأحيان، ولا سيما أن عقود المصالحات تفتح الباب على مزراب من الهدر والتنفيعات والاستنسابية. ورغم أن قانون الموجبات والعقود نصّ على عقود المصالحات كصيغة قانونية تحسم «نزاعاً قائماً بين فريقين»، إلا أن تطبيقها في الواقع فتح المجال واسعاً أمام استفادة المستشفيات الخاصة منها، عبر تضخيم فواتير الاستشفاء، تقول المصادر.
وما يزيد الطين بلّة «التواطؤ بينها وبين الأطباء المراقبين». ولذا، يعمد الصندوق إلى إجراء حسومات عبر ما يُسمّى التسويات مع المستشفيات، بحيث تصل نسبة الحسم إلى 18% ولا تنخفض عن 13%، بحسب كل مستشفى.
المسؤولية لا تتحمّلها المستشفيات وحدها، إذ تقع على الصندوق مسؤولية أكبر تتعلّق بإنجاز المعاملات، خصوصاً مع تخطّي الشغور في الصندوق الـ 60%، وما ينتج من ذلك من لامبالاة لدى المعنيين بإنجاز المهام، ولجوء إلى صيغ أخرى تزيد المشكلة. وأحد هذه البدائل هو السلفات المالية التي بات يُستسهل صرفها. وما زاد من الأزمة أيضاً بعض المحطات المفصلية من انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 مروراً بجائحة «كورونا» ووصولاً إلى عدوان 2024 والحرب الراهنة، التي أدّت إلى توقّف عدد من المراكز عن العمل بشكل كلي وتقليص الدوامات في مراكز أخرى، ما يعيق التدقيق في المعاملات.
بذلك، يتكبّد الصندوق وغيره من الصناديق الضامنة تكاليف عقود تفوق قيمتها الحقيقية، وتتجاوز مليارات الليرات التي تؤخذ من المال العام.



