«لبنان على حافة العتمة»، هو العنوان الذي وضعه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لـ«تقييم حالة» قطاع الطاقة في لبنان، وانعكاسات الحرب على إيران عليه. ففي بلدٍ لم تخرج الكهرباء فيه من دائرة الأزمات، لا يبدو ارتفاع أسعار النفط مجرّد خبر عابر. في لبنان يقوم قطاع الطاقة على الاستيراد الكامل للمشتقات النفطية، ما يحوّل أي اضطراب في الأسواق العالمية إلى ضغط مباشر على الكهرباء والنقل وكلفة المعيشة، ومن هنا، تضع الحرب على إيران البلاد أمام اختبار جدّي.
خلصت الدراسة إلى أنّ أزمة الطاقة في لبنان ليست وليدة الحرب الأخيرة، بل هي أزمة بنيوية قائمة أصلاً، والحرب الإقليمية مرشّحة لأن تزيدها عمقاً. فلبنان يستورد كامل حاجاته من المُنتجات النفطية، التي تُستخدم 72% منها في توليد الكهرباء، سواء التي تنتجها معامل الدولة أو مولّدات القطاع الخاص، فيما تُستخدم نسبة 28% في النقل، والصناعة، والتدفئة المنزلية.
في قلب هذا المشهد، يقف قطاع الكهرباء بوصفه التعبير الأوضح عن «الهشاشة»، وفقاً للدراسة. فمؤسسة كهرباء لبنان، التي يُفترض أن تكون المصدر الأساسي للتغذية، تعاني عجزاً مالياً وتشغيلياً مزمناً، وتعتمد في إنتاجها على محطات حرارية تعمل على الوقود المستورد، وأبرزها معملا دير عمار والزهراني، فيما تعمل محطات أخرى أقدم، مثل الزوق والجية، على «الفيول أويل».
وتوضح الدراسة أن التغذية الرسمية تراجعت بعد الانهيار النقدي والمصرفي عام 2019 إلى مستويات شديدة الانخفاض، قبل أن تعود لاحقاً إلى ما بين 4 و8 ساعات يومياً. لكن هذا المستوى لا يعكس استقراراً بقدر ما يكشف حدود قدرة المؤسسة. ففي عام 2023، لم تؤمّن مؤسسة كهرباء لبنان سوى نحو 28% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد، ما يعني أن الدولة لم تعد المُنتِج الأول للكهرباء، بل باتت مجرّد جزء من منظومة متعدّدة الروافد، يغلب عليها الطابع غير المركزي.
في المقابل، صعدت المولّدات الخاصة لتتحوّل من حل مؤقّت إلى عماد أساسي للتغذية الكهربائية. وتبيّن الدراسة أن هذه المولّدات تغطّي نحو 51% من إجمالي إنتاج الكهرباء في لبنان، أي ما يقارب ضعف ما تؤمّنه المؤسسة العامة. والمولّدات، وفقاً للدراسة، كناية عن شبكة واسعة تستخدم «الديزل» لتوليد الكهرباء، بما يجعلها شديدة الحساسية لأي ارتفاع في أسعار النفط.
من هنا، يصبح أثر الحرب على إيران أكثر وضوحاً في الحياة اليومية. فحين ترتفع أسعار النفط عالمياً، لا ينعكس الأمر فقط على قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على شراء الوقود وتشغيل معاملها، بل أيضاً على رسوم اشتراكات المولّدات الخاصة التي يعتمد عليها السكان لتعويض نقص التغذية الرسمية. وتشير الدراسة إلى أنه في سيناريو الارتفاع المعتدل لأسعار النفط، وهو السيناريو الذي يجسّد الواقع الحالي بحسبها، قد ترتفع فواتير الكهرباء بنحو 140% مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
ولا تقف تداعيات ارتفاع أسعار النفط عند حدود الكهرباء. فالدراسة تشرح أن قطاع النقل في لبنان يعتمد بصورة شبه كاملة على البنزين، فيما تستخدم الشاحنات والحافلات الديزل. ولذلك، فإن أي صعود في أسعار النفط يرفع كلفة التنقل، ويزيد أسعار السلع والخدمات نتيجة ارتفاع كلفة الشحن والتوزيع، ويضيف أعباء على الصناعة التي تشكّل الطاقة نسبة تراوح بين 15% و50% من إجمالي تكاليف الإنتاج فيها، بحسب طبيعتها. بهذا المعنى، لا تبقى أزمة الطاقة أزمة كهرباء فقط، بل تتحوّل إلى عنصر يغذّي التضخم ويمس القدرة الشرائية للأسر بصورة مباشرة.



