الرئيسية اقتصاد لبنان شريان الاقتصاد يختنق: معبر “المصنع” يهدّد ثلث صادرات لبنان

شريان الاقتصاد يختنق: معبر “المصنع” يهدّد ثلث صادرات لبنان

في ظل التصعيد الأمني والتهديدات التي تطال المعابر البرّية، يعود معبر المصنع إلى واجهة القلق الاقتصادي في لبنان، باعتباره الشريان الحيوي الذي تمرّ عبره غالبية الصادرات الزراعية والصناعية نحو الأسواق العربية. ومع أي تهديد بإقفاله، لا تقتصر التداعيات على حركة الشاحنات، بل تمتد لتطال بنية الاقتصاد اللبناني الهشّ، من المزارع إلى التاجر وصولاً إلى المستهلك.

ثلث الصادرات مهدّدة

ووفق رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، منير التيني، فإن “نحو ثلث الصادرات اللبنانية يمر عبر هذا المعبر”، مشيراً إلى أن الوجهات الأساسية لهذه الصادرات هي سوريا والعراق والأردن، مع تصدّر السوق السورية قائمة المستوردين من البقاع. ويؤكد أن أي تعطيل فعلي للمعبر من شأنه أن يؤدي إلى توقف ما يقارب 35% من الصادرات، وهو رقم كفيل بإحداث صدمة مباشرة في ميزان التجارة.

ولا يقتصر دور المعبر على التصدير، إذ يشير التيني إلى أن نحو 10% من الواردات تمرّ أيضاً عبره، وهي بمعظمها سلع أساسية، لا سيما الخضار القادمة من الأردن في مواسم محددة، إضافة إلى منتجات غذائية وصناعية من دول الخليج، مثل الزيوت والمواد المعلبة وحتى بعض مستلزمات التعبئة.

المصنع تحت الضغط

في هذا السياق، يوضح رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، طوني طعمة، أن معبر المصنع يُعد “شريانًا أساسيًا لحركة الاستيراد والتصدير اللبنانية، لا سيما عبر النقل البري”، مشيراً إلى أن أي تهديد أمني له ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني حتى قبل أن يتحول إلى إقفال فعلي.

ويكشف طعمة أن التهديدات الأمنية الأخيرة أدت إلى إقفال المعبر من قبل الأجهزة المختصة حفاظاً على السلامة العامة، ما تسبب بتكدّس أعداد كبيرة من الشاحنات على جانبي الحدود، خصوصاً من الجهة السورية، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة دخول المواد الأساسية وخروج البضائع اللبنانية.

ويضيف أن الاتصالات الرسمية التي جرت على مستويات عالية ساهمت في إعادة الاستقرار الأمني إلى المعبر، معرباً عن أمله في استئناف العمل فيه قريباً، لما لذلك من دور في تخفيف الكلفة على المستوردين والمستهلكين وضمان انسياب السلع، لا سيما المواد الغذائية التي يعتمد لبنان بشكل كبير على استيرادها برّاً.

ويحذّر طعمة من أن استمرار تعطّل المعبر يؤدي إلى ارتفاع كلفة النقل، نتيجة اضطرار الشاحنات إلى سلوك طرق بديلة أطول وأكثر كلفة، ما ينعكس مباشرة على الأسعار في السوق المحلية.

الصادرات بالأرقام

في القطاع الزراعي، تبدو الأزمة أكثر حدّة، ويلفت رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين أنطوان حويك إلى أن الصادرات الزراعية الحالية تتركز في البطاطا والعنب، فيما يتم شحن التفاح بحراً، بينما يبقى الموز والحمضيات – المنتَجة أساساً في جنوب لبنان – رهينة الطرق البرية. ويشير إلى أن ذروة الإنتاج الحالية تتزامن مع صعوبات لوجستية، ما يفاقم الخسائر.

ويشرح حويك أن الأزمة ليست فقط في التصدير، بل أيضاً في ضعف العرض داخل السوق المحلية نتيجة تعذر نقل الإنتاج من الجنوب إلى بيروت، وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بدلاً من انخفاضها. ويضيف أن إقفال الطرق، سواء عند الحدود أو في الداخل، يضاعف الخسائر، لافتاً إلى أن “تسكير طريق الجنوب وحده كارثة أكبر من إقفال الحدود بعشر مرات”.

الأرقام تعكس هذا التدهور بوضوح، إذ انخفضت الصادرات الزراعية من نحو 550 ألف طن سنوياً إلى 350 ألفاً، أي بخسارة تقارب 35%، منذ بدء إقفال المعابر خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، يشدد طعمة على أن لبنان مقبل خلال أسابيع على موسم إنتاج وفير، لا سيما في البقاع، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على الزراعة بشكل مباشر أو غير مباشر. ويؤكد أن تصدير هذا الإنتاج، خصوصاً إلى الأسواق الخليجية، يعتمد بشكل أساسي على النقل البري عبر سوريا، ما يجعل إعادة فتح المعبر ضرورة ملحّة.

كما يلفت إلى أن التحديات لا تقتصر على المعابر البرية، بل تشمل أيضاً النقل البحري، الذي تأثر بالأوضاع الإقليمية وارتفاع التكاليف، إضافة إلى القيود السابقة على دخول المنتجات اللبنانية إلى بعض دول الخليج.

الشاحنات عالقة… والخسائر يومية

من جهته، يؤكد رئيس نقابة الشاحنات أحمد حسين أن “اقتصاد لبنان كله يمر عبر المصنع”، مشيراً إلى أن عدد الشاحنات التي كانت تعبر يومياً قبل الحرب بلغ نحو 200 شاحنة داخلة و120 شاحنة خارجة، ليتراجع العدد خلال الحرب إلى ما بين 40 و60 شاحنة يومياً، قبل أن يتقلص أكثر مع التهديدات الأخيرة.

ويصف حسين الواقع الحالي بـِ “الشلل شبه الكامل”، حيث توقفت حركة النقل بشكل واسع، فيما علقت عشرات الشاحنات داخل الأراضي السورية. ويشير إلى أن الخسائر لا تقتصر على البضائع، بل تشمل أيضاً أصحاب الشاحنات والسائقين الذين يعتمدون كلياً على هذا القطاع كمصدر رزق.

ويضيف أن كلفة الشحن الواحد تتراوح بين 1500 و1700 دولار، ما يعني أن توقف عشرات الشاحنات يومياً يترجم خسائر مباشرة بمئات آلاف الدولارات، فضلاً عن الخسائر غير المباشرة المرتبطة بتلف البضائع أو تأخر تسليمها.

غياب البدائل وارتفاع الكلفة

بالرغم من الحديث المتكرر عن بدائل بحرية، إلا أن المعنيين يجمعون على محدوديتها. فالشحن البحري يواجه تحديات لوجستية وكلفة مرتفعة، إضافة إلى الرسوم التي تضاعفت في فترات سابقة، وهذا ما أفقد التصدير جدواه الاقتصادية. كما أن بعض السلع، خصوصاً الزراعية الطازجة، لا تتحمّل فترات نقل طويلة.

وفي هذا السياق، يشير حويك إلى أن التحول إلى البحر بعد إقفال معبر نصيب سابقاً لم يكن حلاً مستداماً، إذ ارتفعت كلفة التصدير بشكل كبير، وهذا ما أدى إلى تراجع القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية.

اقتصاد على حافة الاختناق

بين التهديدات الإسرائيلية، وإقفال الطرق، وغياب البدائل الفعالة، يقف الاقتصاد اللبناني أمام اختبار جديد يهدد أحد أبرز منافذه الحيوية. فمعبر المصنع ليس مجرد نقطة عبور، بل هو رئة يتنفس منها الإنتاج اللبناني نحو الخارج. وأي مساس به لا يعني فقط تعطيل حركة الشاحنات، بل خنق قطاعات كاملة، من الزراعة إلى التجارة، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من الصدمات.

مصدرالمدن - فاطمة البسام
المادة السابقةالنفط يهوي بقوة مع إعلان وقف مؤقت لإطلاق النار
المقالة القادمةنتائج الحرب: انكماش النشاط التجاري واستقرار التوظيف والأجور