تتسع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أسواق النفط العالمية، وسط تحذيرات من اضطراب كبير في الإمدادات واحتمال فقدان مئات الملايين من البراميل من المعروض، وفق تقديرات لبيوت تجارة كبرى وتحذيرات من وكالة الطاقة الدولية من أزمة طاقة محتملة إذا طال أمد التصعيد، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
وقال راسل هاردي رئيس شركة فيتول، أكبر شركة لتجارة النفط في العالم، إن الحرب بين أميركا وإيران تسببت بالفعل في خسارة بين 600 و700 مليون برميل من إمدادات النفط العالمية، مضيفاً أن هذه الخسائر سترتفع إلى ما لا يقل عن مليار برميل بحلول الوقت الذي يتعافى فيه السوق من تداعيات الحرب.
يعني ذلك أن السوق لا يواجه فقط نقصا آنيا في البراميل، بل فجوة تراكمية ستظل تؤثر حتى بعد أي تهدئة محتملة.
ونقلت بلومبيرغ عن كبير الاقتصاديين في ترافيغورا، سعد رحيم قوله إن الحرب تسببت حتى الآن في فقدان مليار برميل من الإمدادات، وقد يرتفع الرقم إلى 1.5 مليار برميل إذا استمرت، كما نقلت عن رئيس التحليل في غنفور، فريدريك لاسير قوله إن استمرار الحرب شهرا آخر قد يدفع السوق إلى بلوغ قاع الخزانات، أي استنزاف المخزونات المتاحة فعلياً.
هذا التقدير يتقاطع مع تحذير فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية الذي قال إن الصراع بين إيران من جهة وأميركا و”إسرائيل” من جهة أخرى يتسبب في أسوأ أزمة طاقة يواجهها العالم على الإطلاق.
وقال بيرول في مقابلة مع إذاعة “فرانس إنتر” إن “هذه بالفعل أكبر أزمة في التاريخ”، مضيفاً أن الأزمة تصبح “ضخمة بالفعل” إذا جُمعت آثار أزمة النفط الحالية مع زمة الغاز المرتبطة بروسيا.
تضيف بلومبيرغ عن الشريكة المؤسسة ومديرة الأبحاث في “إنرجي أسبكتس”، أمريتا سن قولها لإن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قد لا تعود أبداً إلى مستويات ما قبل الحرب، كما توقعت خسارة نحو 450 مليون برميل من المنتجات النظيفة مثل البنزين، على افتراض إعادة فتح المضيق بنسبة 50% فقط الشهر المقبل، وهذا يعني أن الضرر لا يقتصر على الخام، بل يمتد إلى الوقود المكرر، بما يضاعف أثر الأزمة على النقل والصناعة والتضخم.
في مواجهة هذه الصدمة، تبدو المخزونات الاستراتيجية العالمية خط الدفاع الأول، وأعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن المخزون الاستراتيجي العالمي من النفط بلغ نحو 2.5 مليار برميل في أواخر 2025، وأنها ستضيف من أيار تقييما دورياً للمخزونات الاستراتيجية إلى تقرير “توقعات الطاقة قصيرة الأجل”.
لكن قراءة هذه الأرقام في ضوء تقديرات الفاقد تثير أسئلة أكثر مما تقدم طمأنة، فإذا كان السوق قد خسر بالفعل ما بين 600 و700 مليون برميل بحسب فيتول، أو مليار برميل بحسب تقديرات ترافيغورا التي نقلتها بلومبيرغ، فهذا يعني أن الفاقد يوازي بالفعل ما بين 24% و40% من حجم المخزون الاستراتيجي العالمي المعلن، وإذا ارتفع إلى 1.5 مليار برميل، فسيعادل نحو 60% من تلك المخزونات.
وتشير بيانات الإدارة الأميركية إلى أن الصين والولايات المتحدة واليابان كانت تملك أكبر 3 مخزونات نفطية استراتيجية حتى كانون الأول 2025، فقد بلغت مخزونات الصين قرابة 1.4 مليار برميل، بعد أن أضافت ما يعادل 1.1 مليون برميل يوميا في 2025، مع مؤشرات أولية إلى أنها واصلت البناء في 2026 قبل أزمة إيران.
تضم هذه الكمية نحو 360 مليون برميل حكومية ونحو مليار برميل تحتفظ بها شركات النفط الوطنية، التي تعتبرها الإدارة جزءا من المظلة الاستراتيجية.
أما الولايات المتحدة فبلغ احتياطيها الاستراتيجي 413 مليون برميل في نهاية 2025، وتراجع إلى نحو 409 ملايين حتى 10 نيسان، مع سعة تخزين كاملة تبلغ 714 مليون برميل، كما تملك أكثر من 400 مليون برميل من مخزونات النفط الخام التجارية داخل أراضيها.
وبالنسبة لليابان، بلغ الاحتياطي الحكومي نحو 263 مليون برميل، بينما يفرض القانون على القطاع الاحتفاظ بمخزون يكفي 70 يوما من الطلب، أو ما يقارب 220 مليون برميل، فوق احتياطي حكومي يكفي 90 يوما.
كما تشير البيانات إلى أن كوريا الجنوبية كانت تملك متوسط 79 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية خلال 2025، وأن الدول الأوروبية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية احتفظت بمخزون حكومي قدره 179 مليون برميل.
وفي الشرق الأوسط، بلغ متوسط ما لدى السعودية 82 مليون برميل في مستودعات برية بنهاية 2025، والإمارات 34 مليون برميل في مستودعات برية، إضافة إلى مخزون كبير تحت الأرض في الفجيرة لم تُعرف سعته أو كميته، بينما احتفظت إيران نفسها بمتوسط 71 مليون برميل في مستودعات برية. أما الهند فكانت تملك 21.4 مليون برميل فقط في احتياطياتها الاستراتيجية حتى آذار 2025.
من جهة أخرى، إن هذا التفاوت في أحجام المخزونات يفسر لماذا بدأت آسيا، أكبر مركز للطلب على الخام، تشعر بأن البدائل التي اعتمدت عليها منذ بداية الحرب تقترب من حدودها القصوى، وبحسب بلومبيرغ، تمكنت الصين والهند خلال الأسابيع الماضية من تخفيف أثر الصدمة عبر اتفاقات ثنائية مع طهران، والاستفادة من شحنات روسية وإيرانية كانت بالفعل على المياه، لكن هذا الهامش بدأ ينكمش.
وتبدو الهند الطرف الأكثر هشاشة بين كبار المشترين، فهي تعتمد على الخليج ليس فقط في الخام، بل أيضا في غاز البترول المسال المستخدم في الطهي، حيث كانت الاختناقات حادة.
كما أن خيار النفط الإيراني بات أكثر صعوبة للهند، بعدما سمحت واشنطن بانقضاء تصريح مؤقت كان يتيح استمرار تدفقات إيرانية معينة، وباتت ناقلات فارغة متجهة إلى الخليج موضع تردد بعد تعرض سفينتين هنديتين للهجوم أثناء محاولتهما عبور المضيق، ونتيجة لذلك، يستعد المستهلكون في الهند لأول زيادة واسعة في أسعار الديزل خلال 4 سنوات، مع توقع ارتفاعات من شركات التكرير الحكومية بعد انتهاء الانتخابات المحلية، بما يغذي التضخم ويضغط على النمو.
أما الصين فتبدو في وضع أفضل نسبياً بفضل سنوات من التركيز على أمن الطاقة وامتلاكها أكثر من مليار برميل في الاحتياطيات، لكن حتى بكين لم تعد بمنأى عن الأثر، فبلومبيرغ نقلت عن وكالة الطاقة الدولية أن الإمدادات العالمية انكمشت 10% الشهر الماضي من دون مضيق هرمز، كما بدأت المصافي الحكومية الصينية بالفعل خفض المعالجة. وبينما تملك إيران نحو 160 مليون برميل من النفط “على المياه” محملا وفي طريقه إلى المشترين، فإن ارتفاع أسعار الخام الروسي دفع أيضا أسعار الخام الإيراني، وتحولت الخصومات العميقة السابقة إلى علاوات، في وقت تتصاعد فيه العقوبات الثانوية الأميركية.



