تتباين التحليلات حول ما يجري في مضيق هرمز، إذ لم يعد يُنظر إليه كأداة ضغط نفطي تقليدية أو وسيلة للتأثير على نظام “البترودولار”، بل كجزء من مشهد أوسع لإعادة تشكيل التفاعلات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، عبر واحدة من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية.
وبحسب تقرير نشرته Modern Diplomacy، فإن إيران لا تستهدف النظام المالي الأمريكي بشكل مباشر، كما تذهب بعض التقديرات، بل تستثمر في “نقاط ضعف هيكلية” قائمة في النظام الدولي، من بينها اعتماد الصين الكبير على واردات الطاقة، والتآكل التدريجي لنظام البترودولار، إلى جانب تراجع وضوح الالتزام الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط.
نظام عبور جديد يعيد رسم خريطة التجارة
يشير التقرير إلى تراجع حركة السفن عبر المضيق بنسبة تفوق 90% منذ أواخر فبراير 2026 مقارنة بعام 2025، عقب فرض طهران نظام عبور جديد يتم عبر وسطاء مرتبطين بـ الحرس الثوري الإيراني.
ويُلزم هذا النظام السفن بتقديم بيانات تفصيلية حول الملكية والحمولة والطاقم، مقابل رسوم تبدأ من دولار واحد لكل برميل، تُسدّد باليوان الصيني أو العملات الرقمية المستقرة.
وتسعى إيران إلى تحويل هذا الإجراء إلى إطار قانوني دائم داخل البرلمان، بالتوازي مع مطالبات باعتراف دولي بسيادتها على المضيق ضمن أي ترتيبات لوقف إطلاق النار، وفق ما أورده الباحث آرثر ميشيلينو.
الصين بين الضرورة والتكلفة السياسية
يضع هذا النظام الصين في موقع بالغ التعقيد؛ فهي تعتمد على مضيق هرمز لتأمين نحو نصف وارداتها من الطاقة، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير هيكلي عميق وليس مجرد أزمة مؤقتة.
ويمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة النفط والغاز عالميًا، معظمها باتجاه الأسواق الآسيوية.
ويشير التقرير إلى أن تسوية رسوم العبور باليوان عبر بنك “كونلون” والبنية المالية الصينية تجعل كل عملية عبور تحمل بعدًا جيوسياسيًا، إذ تربط العملة الصينية مباشرة بمنظومة تديرها إيران.
وبذلك، تجد بكين نفسها أمام معادلة صعبة: لا يمكنها الانسحاب من هذا النظام دون تهديد أمنها الطاقوي، ولا الاستمرار فيه دون تحمل تداعيات سياسية متزايدة مع واشنطن.
تآكل البترودولار.. مسار سابق للأزمة
يرفض التقرير اعتبار ما يجري بداية لانهيار نظام البترودولار، مشيرًا إلى أن هذا التآكل بدأ قبل اندلاع الأزمة الحالية.
فبحلول منتصف 2024، أصبحت الترتيبات غير الرسمية التي دعمت هذا النظام محل نقاش علني، في ظل توسع الأنظمة المالية البديلة.
ويُبرز التقرير أن الصين عالجت نحو 175 تريليون يوان عبر نظام المدفوعات عبر الحدود خلال 2024، بزيادة سنوية بلغت 43%، ما يعكس تنامي البنية المالية خارج الهيمنة التقليدية للدولار.
من الاعتماد المتبادل إلى الاحتكاك القسري
يؤكد الباحث ميشيلينو أن الفرضية التقليدية التي تربط الترابط الاقتصادي بالاستقرار لم تعد تنطبق على حالة هرمز.
فبدلاً من تقليل التوتر، أدى تركّز تدفقات الطاقة في نقطة جغرافية واحدة خاضعة لسيطرة طرف معادٍ إلى تضخيم الاضطرابات.
ويصف هذا التحول بأنه انتقال من “اعتماد متبادل مستقر” إلى “اعتماد قسري يولّد الاحتكاك”، حيث تصبح كل عملية عبور عامل ضغط إضافي في معادلة التوتر.
تراجع اليقين الأمني الأمريكي
في البعد الأمني، يسلط التقرير الضوء على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أبريل 2026، والتي أعلن فيها أن بلاده “مستقلة تمامًا عن الشرق الأوسط”.
ورغم أن اعتماد الولايات المتحدة المباشر على نفط هرمز لا يتجاوز 2%، فإن حلفاءها مثل اليابان وكوريا الجنوبية يعتمدون بشكل كبير على المضيق، ما يجعل أي تراجع في الالتزامات الأمنية الأمريكية مصدر قلق إقليمي ودولي.
ويشير التقرير إلى أن هذا التحول يغيّر طبيعة الوجود الأمريكي من “ضمان أمني ثابت” إلى “التزام سياسي قابل للمراجعة”، وهو ما يضعف مصداقية الردع حتى دون تغييرات عسكرية ملموسة.
إيران تدير الأزمة.. لا تخلقها
يخلص التقرير إلى أن إيران لا تصنع هذه الأزمات بقدر ما تدير نقطة التقاء ثلاث أزمات بنيوية: التنافس الصيني–الأمريكي على النظام المالي، التآكل التدريجي للبترودولار، والغموض في الالتزام الأمني الأمريكي.
وبهذا المعنى، فإن كل عبور عبر المضيق، وكل عملية دفع باليوان، وكل تصريح سياسي، يدخل ضمن منظومة ضغط واحدة تتفاعل بشكل متسارع عند نقطة جغرافية واحدة هي مضيق هرمز.
ويؤكد ميشيلينو أن قوة إيران لا تكمن في تفوق عسكري أو مالي مباشر، بل في موقعها الجغرافي داخل نظام عالمي تتقاطع فيه الأزمات قبل أن تُحل، ما يمنحها قدرة على التأثير تتجاوز أدوات القوة التقليدية.



