الرئيسية اقتصاد لبنان استشاري بدل الهيئة الناظمة: مسار ملتبس يهدد تلزيم الخلوي

استشاري بدل الهيئة الناظمة: مسار ملتبس يهدد تلزيم الخلوي

مضت الحكومة منذ مطلع العام الجاري بقرارها تلزيم إدارة شركتي الخلوي “ألفا” و”تاتش” وتشغيلهما لملتزم خارجي، فكلّفت الهيئة الناظمة للاتصالات بإعداد دفتر شروط لاستدراج عروض المهتمين، وطلبت منها العودة إليها بشروط التأهيل للمناقصة العالمية وعقد التشغيل المقترح خلال مهلة ثلاثة أشهر. إلّا أن الهيئة سلكت مسارًا مخالفًا تمامًا لنص قرار الحكومة.

وبدلًا من توظيف خبراتها في إعداد الدفتر ومشروع العقد المقترح، تمهيدًا للإعلان عن الصفقة على منصة هيئة الشراء العام، أطلقت عبر منصتها منذ شهر آذار الماضي، دعوة لاستدراج عروض مقدّمي الخدمات الاستشارية من أجل “المساعدة في إعداد وثائق التلزيم، والنموذج المالي، واتفاقية الإدارة والتشغيل (MOA) لكلِّ من شركتي MIC1 (ألفا) وMIC2 (تاتش).

فهل نحن أمام اجتهاد إداري مشروع، أم انحراف عن السند القانوني قد يعرّض عملية التلزيم برمّتها للمحاسبة الرقابية والطعن أمام المرجعيات القانونية؟

تكليف مثير للجدل

في 15 كانون الثاني من العام الجاري، أصدر مجلس الوزراء قراره الرقم 5، الذي أعاد إحياء مسار خصخصة إدارة وتشغيل شركتي الخلوي.

نص القرار صراحة على تكليف الهيئة الناظمة للاتصالات “إعداد دفتر الشروط ومشروع عقد الإدارة والتشغيل، إلى جانب شروط التأهيل للمناقصة العالمية، بالتنسيق مع هيئة الشراء العام”، على أن “تُعرض هذه المستندات على مجلس الوزراء خلال مهلة ثلاثة أشهر”.

بدا التكليف بحد ذاته مثيرًا للجدل. ووجدت قراءة خبيرة له، أن المهمة المطلوبة لا تنسجم مع دور الهيئة الناظمة الذي يحدده قانون الاتصالات. وقد انتقل هذا الجدل الى منصة linkedIn إثر إعلان الهيئة الناظمة للاتصالات على حسابها، عن تأجيل موعد الجلسة الأولى التي كانت محددة لتقديم عروض الاستشاريين.

فتلقت الهيئة تعليقين على إعلانها، الأوّل من المدير العام لشركة “تاتش” سابقًا وسيم منصور، والثاني من المدير الأسبق لهيئة أوجيرو عبد المنعم يوسف.

فرأى منصور أنه “يجب إلغاء هذه العملية، لا تأجيلها”، موضحًا “أن مجلس الوزراء طلب من الهيئة إعداد مستندات المناقصة، ومسوّدة عقد الإدارة، وشروط التأهيل. ولم يطلب منها تفويض مهمتها إلى جهة خارجية”.

تخطٍ لدور الهيئة

وذهب منصور الى أبعد من ذلك في نزع قانونية قرار تكليف الهيئة، بتعارضه مع نص المادة 19 من القانون 431. إذ جاء في قرار الحكومة أن تكليف الهيئة الناظمة جاء بالاستناد الى هذه المادة. بينما هي تنص وفقًا لمنصور “على دور تنظيمي للهيئة في مسائل الترخيص والتنظيم، ولا تحوّلها إلى جهة تعاقد لشراء خدمات إدارة مُستعانة بها لتشغيل شركتي الخلوي المملوكتين للدولة”.

بينما اعتبر يوسف أن المخالفات التي أوردها منصور ” تمهد لاحتمال تقديم مراجعة إبطال أمام مجلس شورى الدولة من قبل أي شخص طبيعي أو معنوي يعتبر نفسه متضرّرًا من هذه العملية”. مضيفًا أن “الهيئة الناظمة لا تملك الصلاحية القانونية ولا المسؤولية للسير في عملية تلزيم، ولا حتى لإطلاق طلب إبداء اهتمام أو طلب عروض. كما تفتقر الهيئة إلى أي آليات قانونية لتمويل مثل هذا العمل. وقد يفتح ديوان المحاسبة تحقيقات ويُبطل النفقات المرتبطة به”.

ظُهّر هذا التخطي لدور الهيئة ومسؤولياتها أيضًا، من خلال مساءلة نيابية حول القرار (5) ومندرجاته، تقدّم بها رئيس وأعضاء من لجنة الاتصالات، وتضمنت أسئلة للحكومة ووزارة الاتصالات حول كيفية ضمان عدم تضارب الأدوار بين موقع الهيئة كمنظّم يفترض أن يكون حكمًا، ودورها في تصميم مسار التلزيم.

تفويض إلى شركة استشارية

إلا أنه على الرغم من هذه الإشكاليات المثارة حول قانونية تكليف الهيئة بمهمة إعداد دفتر الشروط، مضت الأخيرة في تنفيذ قرار مجلس الوزراء، وإنما باتجاه مخالف لما نص عليه.

فبدلًا من إعداد مستندات المناقصة، ومسوّدة عقد الإدارة، وشروط التأهيل بنفسها، قررت الهيئة الناظمة تفويض مهمتها إلى شركة استشارية. وأطلقت طلب عروض لهذه الغاية، مرفقًا بتمديدات متتالية لمهل التقديم، آخرها تأجيل الموعد المحدد في 28 نيسان إلى 28 أيار.

هذا المسار استدعى تدخّل هيئة الشراء العام، التي وجّهت كتابين إلى الهيئة الناظمة. في الأول بتاريخ 16 آذار، طرحت سؤالًا مباشرًا: لماذا لا تنفّذ الهيئة المهمة بنفسها كما كلّفها مجلس الوزراء؟ وفي الثاني بتاريخ 14 نيسان، دعتها إلى العودة إلى مجلس الوزراء للحصول على تفويض صريح يجيز لها الاستعانة بخدمات استشارية، تفاديًا لأي التباس قانوني.

وليس رأي هيئة الشراء العام قانونًا ملزمًا للجهة الشارية، فهو رأي يعطى لتصويب مسار وليس لإلغائه. الا أن عدم الأخذ به قد يفتح الباب أمام الطعن في مشروعية التلزيم أمام مجلس شورى الدولة، نظرًا لارتباطه بمخالفة محتملة للسند القانوني الذي يجيز أصلًا إجراءه.

وهذا ما يضع الهيئة الناظمة أمام خيارين واضحين: إما العودة إلى مجلس الوزراء لطلب تعديل أو أقله توضيح للتكليف بما يسمح بالاستعانة باستشاري، أو المضي في المسار الحالي من دون غطاء صريح، بما قد يعرّض التلزيم للطعن والمساءلة، سواء لجهة الأساس القانوني أو لجهة تمويل الخدمات الاستشارية والنفقات المرتبطة بها.

وعليه، ستتجه الأنظار في المرحلة المقبلة الى التمديد الثاني لمهلة استدراج العروض، لمعرفة التوجه الذي ستسلكه الهيئة الناظمة والحكومة في تصويب مسار هذه الصفقة. علمًا أن ملاحظات هيئة الشراء العام في كتابيها، أبرزت نقاط غموض والتباس إضافية، شملت شروط تأهّل العارضين، ومعايير التقييم غير الواضحة، ومتطلبات الخبرة الدولية غير المبرّرة، فضلًا عن الازدواجية في تعريف نطاق المشروع. وهي مؤشرات تعكس خللًا في إعداد دفتر الشروط، في ملف يُفترض أن يُدار بأعلى درجات الدقة القانونية والتقنية.

استنساخ تجربة الخصخصة

قد تصوب الهيئة هذه الثغرات أو تتجاهل ملاحظات هيئة الشراء العام. وأداؤها في المرحلة المقبلة كفيل بتقديم قراءة أوضح لخلفيات استنساخ تجربة خصخصة إدارة شركتي الخلوي مجددًا، على رغم ما أثقلت به التجربة السابقة قبل العام 2019 من شبهات الفساد. علمًا أن ديوان المحاسبة وثّق هذه الشبهات في “اتهامات”، آخرها دان وزراء الاتصالات الذين تعاقبوا على فضيحتي مبنيي قصابيان والباشورا، وشركة زين التي كانت شريكة في الإدارة حينها.

هذا في وقت تبقى الخشية الأساسية من الخصخصة المطروحة حاليًا، من أن تؤدي الى اقتطاع إيرادات القطاع التشغيلية لصالح مشغّل خاص. علمًا أن قرار مجلس الوزراء لم يتضمن وفقًا لقراءة خبيرة إجابات كافية حول كيفية ضمان تطبيق ما ورد فيه لجهة “تحميل المشغل النفقات التشغيلية والنفقات الرأسمالية” ولا حدد بوضوح مصدر هذا التمويل، بل حمّل المسار بشبهات التنصل من الرقابة على المال العام. إذ ربط هذه النفقات بالوسيط التعاقدي، من دون ضمانات كافية لحماية إيرادات القطاع التي تذهب حاليًا الى خزينة الدولة.

هذا في وقت يصر المعنيون بالقطاع، ومن بينهم نقابة موظفي الشركتين، على تعزيز الاستثمار في القدرات المحلية وفي تطوير التجهيزات المتوفرة، بعد أن ثبت الكادر الإداري والوظيفي في شركتي الخلوي برأيها، ثباتًا في الحفاظ على استقرار تشغيل الشركتين، في أصعب الظروف وبأقل التجهيزات المتوفرة.

مصدرالمدن - لوسي بارسخيان
المادة السابقةحزب الله يحرّك سندات الدولار
المقالة القادمةالخط الأصفر البحري وحقل قانا: هل يعود لبنان لتقاسم كاريش؟