صبيحة امس الإثنين، أصدر مصرف لبنان بيانًا رد فيه على “ما يتم تداوله في بعض الصحف ذات اللون السياسي المعروف”، موضحًا أنّ حاكمه لا هدف له سوى تحقيق مجموعة من الأولويّات الراسخة، وعلى رأسها “الحفاظ على الاستقرار النقدي في كل الظروف”، بما يشمل “ثبات العملة الوطنيّة”، التي تمكّن الدولة من الإيفاء بالتزاماتها “تجاه المواطنين وموظفي القطاع”. وبهذه العبارات، نفى المصرف بشكلٍ قاطع ما تم ترويجه قبل ساعات من هذا البيان، بخصوص دراسة الحاكم “قراراً فورياً” يقضي “بتحرير سعر صرف الليرة في الأسواق”، تمهيدًا لبلوغ سعر الصرف مستوى 500 ألف ليرة لبنانيّة للدولار “خلال أسابيع قليلة”.
في واقع الأمر، وبمعزل عن كل ما نُشر، تشير جميع القرارات المُتخذة على مستوى السلطتين التنفيذيّة والنقديّة إلى وجود قرار سياسي لم يتبدّل حتّى الآن، يقضي بالدفاع عن سعر الصرف المستقر والثابت حاليًا. ولا يوجد ما يوحي بأن كلفة هذا الاستقرار، على مستوى الماليّة العامّة أو احتياطات العملات الأجنبيّة، ستدفع أي جهة للتلاعب بسعر الصرف، لما سيخلفه قرار كهذا من تداعيات على مستوى ميزانيّة الدولة ورواتب العاملين في القطاع العام. وحتّى مصرف لبنان نفسه، لا يملك مصلحة في الدخول في مرحلة من الاضطراب النقدي، التي تنهي معادلة تثبيت سعر الصرف بأدوات السياسة الماليّة، التي ثبّتت سعر الصرف عبر امتصاص الإيرادات العامّة المودعة لديه.
حركة السيولة خلال الحرب
في بدايات الحرب، شهدت السيولة المتوفّرة بالعملات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان انخفاضًا من 12.07 مليار دولار أميركي في منتصف شهر شباط، إلى 11.53 مليار دولار أميركي في نهاية شهر آذار، ما أشّر إلى هبوط بقيمة 538.89 مليار دولار أميركي خلال فترة شهر ونصف الشهر.
وكان لهذا الانخفاض أسبابه الواضحة، لجهة اشتداد الطلب على الدولار الأميركي في السوق، وظهور نفقات عامّة طارئة وغير متوقّعة في بدايات الحرب، وانخفاض الإيرادات العامّة بنسبة تقترب من 35 بالمئة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم انخفاض ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان بقيمة 70 مليون دولار أميركي، خلال النصف الثاني من شهر آذار.
باختصار، ارتفعت النفقات وانخفضت الإيرادات العامّة، فلم يعد المصرف المركزي قادرًا على مراكمة الاحتياطات بفعل الفوائض المُحققة في ماليّة الدولة، كما كان الحال سابقًا. وارتفاع الاستهلاك التمويني في بدايات الحرب، استنزف الاحتياطات الموجودة بالفعل.
غير أنّ الأمور أخذت منحى آخر منذ بداية شهر نيسان. فخلال النصف الأوّل من ذلك الشهر، بدا أنّ مصرف لبنان، وبالتعاون مع وزارة الماليّة، تمكّن من امتصاص الصدمة. فارتفعت في تلك الفترة قيمة الاحتياطات مجددًا بنحو 142.65 مليون دولار، فيما سجّلت ودائع القطاع العام زيادة موازية، بقيمة 58.18 مليون دولار أميركي. وهكذا، يمكن القول أنّ شهر نيسان لم يشهد نزيفًا نقديًا يُعتد به.
ما تغيّر في شهر نيسان كان واضحًا للجميع. إذ اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات التقشفيّة، التي فرملت النفقات غير الطارئة، أو غير المتعلّقة بالاستجابة السريعة لحاجات الحرب والنزوح. وبهذا الشكل، وفي مقابل تراجع قيمة الإيرادات العامّة، تأقلم حجم الإنفاق العام مع الواقع المُستجد. وكانت هذه الخطوة بحد ذاتها دلالة على تمسّك السلطة التنفيذيّة بالتوازنات النقديّة القائمة، وعدم اتجاهها للمس باستقرار سعر الصرف، أو استنزاف ما تبقى من احتياطات بالعملات الأجنبيّة.
في الوقت نفسه، قدّمت السلطة التنفيذيّة مجموعة من المؤشّرات الأخرى التي تدل على تمسّكها بالاستقرار النقدي. ومنها على سبيل المثال تأجيل النظر في زيادات رواتب العاملين في القطاع العام، لتفادي إضافة ضغوط نقديّة جديدة، في ظل تراجع حجم الإيرادات. وفي المقابل، ركّزت وزارتا الماليّة والاقتصاد على إجراءات لتأمين سيولة من مصادر بديلة، مثل محاولة إعادة تخصيص جزء من القروض الممنوحة للبنان من البنك الدولي، والتي تبلغ قيمتها حاليًا قرابة 1.4 مليار دولار أميركي.
أمّا مصرف لبنان، فبدا أكثر تمسّكًا من السلطة التنفيذيّة بالتوازنات النقديّة الموجودة. فحاكم مصرف لبنان كريم سعيد رفض منذ بداية الحرب اللجوء إلى إجراءات من شأنها أن تزيد الضغط على الاحتياطات، مثل زيادة سقف السحوبات الشهريّة للمودعين. ومن الأساس، لم يكن لدى سعيد المصلحة في دخول مرحلة من الاضطراب النقدي، التي تعبث بسعر الصرف من جهة، وتطيح بالمعادلة القائمة حاليًا، والتي تسمح بمراكمة الاحتياطات، وخصوصًا بعدما تمكّن المصرف من استيعاب صدمة الحرب الأولى.
معادلات سعر الصرف
للاستقرار النقدي أهميّة بالنسبة لجميع الأطراف المعنيّة بهذا الملف. فانهيار سعر الصرف، في هذه المرحلة الحرجة، سيطيح بالقيمة الفعليّة لجميع الاعتمادات المرصودة في الموازنة، وبقيمة الإيرادات العامّة المحصّلة (والتي يتم تحصيلها) بالليرة اللبنانيّة. وبهذا المعنى، فإنّ الدفاع عن سعر الصرف، من وجهة نظر الحكومة اللبنانيّة ووزارة الماليّة، هو دفاع عن قدرة القطاع العام على القيام بوظائفه الحيويّة، خلال فترة الحرب الراهنة. وهو دفاع عن قيمة أجور العاملين في القطاع العام، وقدرتهم على مزاولة مهامهم في الإدارة العامّة. وأي مس بهذا الاستقرار النقدي، في هذا الظرف، سيمس بالقدرة على التعامل مع أزمة النزوح.
أمّا مصرف لبنان، فيعتبر الاستقرار النقدي أحد معايير نجاح سياساته، وهو ما يفسّر إصرار المصرف على حماية ثبات سعر الصرف، ولو على حساب التقشّف في الاستعمال من الإيرادات العامّة. وعلى هذا الأساس، من غير المرتقب أن يسعى المصرف إلى المغامرة بهذا الاستقرار النقدي، من أجل إتاحة حيّز مالي إضافي للحكومة. بل وعلى العكس تمامًا، تكمن مصلحة المصرف في الدفاع عن هذا الاستقرار النقدي، في مقابل تشديد الحيّز المالي المُتاح للإنفاق العام. وهذا ما حصل بالفعل خلال شهر نيسان.
في الخلاصة، من الأكيد أن الحرب الحاليّة كشفت مكامن الهشاشة في السياسة النقديّة التي أرساها الحاكم السابق رياض سلامة في أواخر ولايته عام 2023. وهو ما يذكّر بضرورة العمل، ربما بعد انتهاء التصعيد الراهن، على سياسة نقديّة أكثر مرونة. ومن الأكيد أن طبيعة الضغوط التي تفرضها الحرب حاليًا قد تفضي إلى تهديد التوازنات القائمة أصلًا، في حال لم تتم الاستجابة للمخاطر المستجدة. لكن من غير الواقعي افتراض أن المصرف المركزي نفسه، أو السلطة التنفيذيّة، يمتلكان النية أو المصلحة في ضرب الاستقرار النقدي.



