منذ بداية العام، نشرت المصارف اللبنانيّة الكُبرى الأرقام الأوليّة لميزانيّاتها، كما نشر مصرف لبنان تدريجيًا المؤشّرات المُجمّعة للقطاع ككل. ومؤخّرًا، نشر المصرف المركزي أيضًا تقرير الاقتصاد الكلّي، الذي تضمّن بدوره جملة من المعطيات المرتبطة بأوضاع القطاع المالي. وعلى هذا الأساس، بات بالإمكان رسم صورة عامّة لما تبقّى في القطاع المصرفي، وفقًا للأرقام التي ستؤثّر على سيناريوهات إعادة الهيكلة لاحقًا.
وضعيّة الودائع والقروض
حتّى أواخر العام 2025، كان حجم الودائع الإجمالي المتبقي في القطاع قد بلغ 87.2 مليار دولار أميركي. وهذا رقم يشمل ودائع ما قبل تشرين الأوّل 2019 بالدولار الأميركي والليرة اللبنانيّة، فضلًا عن الودائع الفريش في جميع العملات. وبهذا الشكل، يكون القطاع قد تخلّص من 45 بالمئة من الودائع التي كانت موجودة في أواخر عام 2019، أي في بدايات الأزمة المصرفيّة القائمة، والتي كانت تبلغ 158.9 مليار دولار أميركي.
هناك ثلاثة عوامل يمكن ربطها بالانخفاض الإجمالي الحاصل في حجم الودائع، والتي يمكن أيضًا اعتبارها مصدرًا لخسائر المودعين خلال الأزمة:
أولاً، هبوط سعر صرف الليرة اللبنانيّة، وهذا ما أدّى إلى انخفاض قيمة الودائع بالعملة المحليّة عند احتسابها بالدولار الأميركي وبسعر الصرف الفعلي.
ثانيًا، عمليّات بيع الشيكات المصرفيّة من قبل المودعين، والتي صبّت في مصلحة مقترضين اشتروا الدولار المصرفي بسعر محسوم لتسديد ديونهم. مع الإشارة إلى أنّ نسبة الحسم، عند شراء الدولار المصرفي، وصلت في بعض المراحل إلى أكثر من 87 بالمئة.
ثالثًا، السحوبات التي تمّت بموجب تعاميم صادرة عن مصرف لبنان، والتي بدأت عام 2020 بالليرة اللبنانيّة وبسعر صرف منخفض قياسًا بسعر السوق، قبل أن تصبح الدفعات مزدوجة (بالليرة اللبنانيّة والدولار الأميركي)، ثم بالدولار الأميركي فقط.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الانخفاض الموازي في حجم القروض الممنوحة للمدينين، والتي انخفضت خلال الفترة نفسها من 49.8 مليار دولار أميركي في أواخر عام 2019 إلى 5.2 مليار دولار أميركي فقط في نهاية 2025. وبذلك، يتبيّن أن المقترضين قاموا خلال السنوات الماضية بتصفية نحو 90 بالمئة من حجم القروض الممنوحة لهم، بينما امتنعت المصارف في الوقت نفسه عن منح قروض جديدة، إلا ضمن هامش ضيّق جدًا ولعدد محدود من العملاء.
نطاق الخدمات المصرفيّة
هذه التطوّرات، انعكست على نطاق الخدمات المصرفيّة بشكل واضح. فبين الفترتين، انخفض عدد الفروع المصرفيّة من 1058 فرعًا في أواخر عام 2019، إلى 633 فرعًا فقط عام 2025، ما يعني أنّ المصارف اللبنانيّة صفّت أكثر من 40 بالمئة من فروعها العاملة في مختلف المناطق اللبنانيّة.
في التفاصيل، تُظهر الأرقام أنّ عدد الفروع المصرفيّة انخفض بين 2019 و2025 على الشكل التالي في كل منطقة لبنانيّة:
– من 562 إلى 332 فرعًا في بيروت.
– من 211 إلى 123 فرعًا في جبل لبنان.
– من 109 إلى 66 فرعًا في شمال لبنان.
– من 109 إلى 69 فرعًا في جنوب لبنان.
– من 67 إلى 43 فرعًا في البقاع.
وبذلك، يكون عدد الفروع المصرفيّة قد شهد انخفاضًا متوازيًا في جميع المناطق اللبنانيّة، بالتناسب مع حجم الانخفاض المُحقّق في قيمة الودائع المصرفيّة. لكن في المقابل، شهد عدد ماكينات السحب الآلي ونقاط البيع زيادة ملحوظة، من 2595 عام 2019، إلى 3955 عام 2024، وهو ما يمكن تفسيره بزيادة الاعتماد على الخدمات الإلكترونيّة، لتقليل الحاجة إلى الكادر البشري في الفروع. وكان لافتًا تركّز نحو نصف هذه النقاط والماكينات في منطقتي بيروت وجبل لبنان، ما يؤشّر إلى تركّز حجم خدمات التجزئة في هذه المناطق، كما يؤشّر إلى نسبة التركّز الديمغرافي في بيروت ومحيطها.
أرقام الحركة الماليّة
على مستوى الحركة الماليّة، أظهرت الأرقام التي نشرتها جمعيّة المصارف مؤخرًا أنّ عدد الشيكات الإجمالي، الذي مرّ عبر المقاصّة، انخفض خلال الربع الأول من السنة الحاليّة بنسبة 38 بالمئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. إلا أنّ القيمة الإجماليّة لشيكات المقاصّة بالليرة اللبنانيّة ارتفعت في المقابل بنسبة 8.04 بالمئة. وعكست هذه الزيادة، في قيمة الشيكات بالليرة، رغم انخفاض عدد الشيكات الصادرة بالليرة، ارتفاع متوسّط القيمة الإسميّة للشيك، بسبب تراجع سعر صرف الليرة اللبنانيّة.
وكان مصرف لبنان قد أصدر التعميم رقم 165، الذي أتاح -ابتداءً من 1 حزيران 2023- إصدار الشيكات بالليرة أو الدولار الفريش، وعبر مقاصّة منفصلة عن تلك المخصّصة لودائع ما قبل تشرين الأوّل 2019. وأراد مصرف لبنان من هذا التعميم تحقيق هدفين في الوقت نفسه: تشجيع العملاء على فتح حسابات جديدة بالليرة اللبنانيّة والدولار الأميركي، وخفض اعتماد البلاد على التداولات النقديّة وتحفيز التعافي الاقتصادي. وبحلول شهر آذار الماضي، كان عدد الشيكات الصادرة من الحسابات الطازجة قد بلغ هذا العام نحو 38 ألف شيك بالعملات الأجنبيّة، وبقيمة تناهز 3.65 مليار دولار أميركي، ما يشير إلى التقدّم الحاصل في هذا المجال.



