الرئيسية اقتصاد لبنان شركة رسامني تفوز بمناقصة المرفأ ثم تنسحب

شركة رسامني تفوز بمناقصة المرفأ ثم تنسحب

أثارت مناقصة شراء سيارات وآليات لصالح مرفأ بيروت، أسئلة تتجاوز قيمة العقد وتطاول مفهوم الفصل بين السلطة العامة والمصلحة الخاصة. وقد أتى ذلك بعد مشاركة شركة رسامني المملوكة من الوزير فايز رسامني في هذه المناقصة التابعة للمؤسسة التي يكون الوزير وصياً عليها. وبمعزل عن نتيجة المناقصة التي فاز فيها ثم انسحب منها، إلا أن مجرّد مشاركته يحمل دلالة واضحة على مستوى انعدام الشفافية والحوكمة.

وكانت إدارة واستثمار مرفأ بيروت أطلقت مناقصة عمومية لشراء وتوريد سيارات وآليات، في إطار خطة تهدف إلى تعويض الأسطول الذي دُمّر بعد انفجار 4 آب 2020. ووفق دفتر الشروط والإعلان الرسمي المنشور، تشمل المناقصة شراء سيارات وآليات مختلفة تعمل بواسطة الوقود إلى جانب خدمات مرتبطة بالصيانة والتجهيزات والتشغيل، عبر مناقصة عمومية تخضع لقانون الشراء العام. كما حدّد الإعلان مهلة تقديم العروض بتاريخ 8 أيار 2026، مع جلسة فتح عروض في اليوم نفسه.

لكنّ ما أثار الجدل لم يكن طبيعة المناقصة أو قيمتها المالية، بل اسم الشركة الوحيدة التي شاركت فيها وهي شركة «رسامني يونس للسيارات (RYMCO)»، المملوكة لوزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، كعارض وحيد، لترسو الصفقة عليها بقيمة بلغت 734,550 دولاراً. لكن سرعان ما انتشر الخبر، ما عطّل على الوزير الفرحة بالعقد، إذ تحوّل الملف إلى قضية رأي عام وهو ما دفع إدارة واستثمار مرفأ بيروت إلى إصدار بيان أكّدت فيه أنّ المناقصة أُطلقت للمرة الأولى بتاريخ 12 آذار 2026، قبل أن تُلغى نتيجة وجود عارض وحيد فقط، ثم أُعيد طرحها مجدّداً بتاريخ 22 نيسان 2026. وبحسب البيان، تكرّر المشهد نفسه في الجولة الثانية أيضاً، حيث تقدّم عارض وحيد مجدّداً، لترسو الصفقة على شركة RYMCO «انسجاماً مع أحكام قانون الشراء العام الذي يجيز، بعد إعادة إطلاق المناقصة للمرة الثانية، إمكانية إرساء الصفقة على عارض وحيد عند توافر الشروط القانونية المطلوبة».

غير أنّ البيان أشار إلى أنّ إدارة المرفأ تبلّغت انسحاب الشركة من المناقصة «لأنها العارض الوحيد»، ما سيؤدّي إلى إعادة طرح المناقصة مجدّداً.

هنا تحديداً تبدأ الإشكالية الحقيقية. فالتبرير الذي قُدّم للانسحاب بدا، بالنسبة إلى كثيرين، أشبه بمحاولة متأخّرة لاحتواء التداعيات السياسية والإعلامية أكثر مما هو موقف مبدئي. إذ يصعب عملياً تصديق أنّ شركة بهذا الحجم، يقودها وزير يشرف على القطاع نفسه، تفاجأت بعد رسوّ الصفقة عليها بأنها كانت العارض الوحيد. ففي الشكل، قد يبدو كل شيء قانونياً؛ المناقصة منشورة على منصة الشراء العام، المهل مُحترمة، والإجراءات قائمة.

لكنّ اختزال المسألة بالجانب الإجرائي وحده يتجاهل جوهر المشكلة. ففي أي دولة تحترم الحد الأدنى من قواعد الحوكمة، يفترض بالمسؤول السياسي أن يمارس أعلى درجات الشفافية، وأن يبتعد عن أي نشاط تجاري أو عقد أو مشروع يمكن أن يكون مستفيداً منه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالمسألة هنا لا تتعلّق فقط بما إذا كان القانون يسمح أو لا يسمح، بل بما تفرضه المسؤولية العامة من ضرورة إبقاء المنصب العام بعيداً عن المصالح الخاصة.

والوزير هنا ليس مجرّد اسم سياسي بعيد عن الملف، بل هو رأس الوزارة التي يتبع لها المرفق العام الذي أجرى المناقصة. وحتى لو لم يتدخل مباشرة في إجراءات التلزيم، فإنّ وجود هذه العلاقة وحده كافٍ لطرح مسألة تضارب المصالح بصورة جدّية، لأنّ جوهر هذا المبدأ لا يرتبط فقط بثبوت التدخّل الفعلي، بل أيضاً بمنع أي وضعية يمكن أن تضع المسؤول العام في موقع تتقاطع فيه سلطته العامة مع مصلحته الخاصة.

ولا تقتصر الإشكالية على العلاقة السياسية فقط، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة دفتر الشروط نفسه. فالمواصفات المطلوبة لا تكتفي بتحديد فئات السيارات والآليات، بل تدخل في تفاصيل دقيقة تتعلّق بالمحرّكات، أنظمة الدفع، التجهيزات الإلكترونية، خدمات ما بعد البيع، الصيانة، وقطع الغيار الأصلية، إضافة إلى اشتراط وجود مراكز خدمة معتمدة وتغطية صيانة لسنوات. عملياً، كلما ارتفع مستوى التخصيص في الشروط التقنية، تقلّص هامش الشركات القادرة على استيفائها بالكامل، ما يطرح تساؤلات حول مدى انفتاح المناقصة فعلياً أمام المنافسة.

وفي الأساس، يُفترض بقانون الشراء العام أن يؤمّن أوسع هامش ممكن من المنافسة بين العارضين، بما يضمن حماية المال العام وتأمين أفضل الأسعار والشروط للإدارة العامة. أمّا الوصول إلى نتيجة يكون فيها عارض وحيد هو المستفيد الوحيد من العقد، فيحوّل النقاش تلقائياً نحو طبيعة دفتر الشروط نفسه، ومدى مساهمته في تضييق دائرة المنافسة، خصوصاً حين يكون العارض الوحيد شركة مرتبطة مباشرة بوزير يتولى إدارة القطاع المعنيّ.

صحيح أنّ قانون الشراء العام يجيز، في بعض الحالات، التلزيم لعارض وحيد عند توافر الشروط المطلوبة، إلا أنّ فلسفة القانون نفسها تقوم أساساً على مبادئ المنافسة والشفافية ومنع تضارب المصالح، لا الاكتفاء بالامتثال الشكلي للإجراءات. فالقانون لا يُفترض أن يكون مجرّد آلية لإضفاء الشرعية على القرارات، بل إطاراً لضمان حياد الدولة وفصل السلطة العامة عن المصالح الخاصة.

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةهل قلت بأنّ «تعرفة السرفيس» مرتفعة؟
المقالة القادمةالذهب على وقع التقلبات… وترقّب عالمي لبيانات أميركية مفصلية