حصلت “المدن” على أجزاء من تقرير المساعدة الفنيّة لصندوق النقد الدولي، المخصّصة للبنان، والتي تضمّنت تشخصيًا للإطار القانوني والمؤسّساتي الناظم للقطاع المالي، وتحديدًا تلك المتعلّقة بحوكمة مصرف لبنان واستقلاليّته، وآليّات اتخاذ القرار فيه، فضلًا عن علاقته بالسلطة التنفيذيّة والمستوى السياسي، والقطاع المصرفي. الجزء المُشار إليه من التقرير، بدأ بمراجعة قانونيّة ومؤسّسيّة للضوابط الناظمة لعمل مصرف لبنان، ولا سيما قانون النقد والتسليف، بهدف تقييم مدى انسجام هذه القواعد مع المعايير والممارسات الدوليّة الفضلى، في مجال استقلاليّة المصارف المركزيّة والشفافيّة والمساءلة والرقابة الداخليّة والخارجيّة.
ومنذ البداية، يشير هذا الجزء من التقرير إلى أنّ التحليل يستند إلى مراجعة متكاملة للأهداف القانونيّة لمصرف لبنان، وصلاحيّات الحاكم والمجلس المركزي، ودور الدولة في ملكيّة المصرف وإدارته، فضلًا عن مدى امتثال هذه البنية القانونيّة للمبادئ الحديثة لحوكمة المصارف المركزيّة. كما يوضح هذا الجزء من التقرير أنّه يأتي في سياق أوسع من النقاش، حول إصلاح القطاع المالي في لبنان بعد الأزمة. ويخلص التقرير إلى أنّ الإطار القانوني الحالي، الناظم لعمل مصرف لبنان، بات قديمًا، ولا يوفّر حماية كافية لاستقلاليّة المصرف أو مساءلته، كما يسمح بتداخل واسع ما بين السياسة النقديّة وآليّات تمويل الدولة وتنظيم القطاع المصرفيّة. ومن المفترض أن تشكّل خلاصات التقرير أساسًا يمكن الاستناد إليه، عند إعادة النظر بالإطار القانوني الناظم لعمل القطاع المالي.
استقلاليّة مصرف لبنان
يرى التقرير أنّ مصرف لبنان يفتقر إلى الاستقلاليّة التشيغيليّة والوظيفيّة الكافيّة، وفقًا للمعايير الفضلى لحوكمة المصارف المركزيّة. فالقانون يمنح وزير الماليّة القدرة على التدخّل في عمل المصرف، عبر تعليق قرارات المجلس المركزي وطلب إعادة النظر فيها، كما يعطي الوزير القدرة على دعوة المجلس للانعقاد. وفي الوقت نفسه، يملك مفوّض الحكومة المعيّن من قبل وزارة الماليّة القدرة على حضور اجتماعات المجلس، والاطلاع على سجلات المصرف، كما يستطيع تعليق القرارات عند الضرورة.
ويشير التقرير إلى قيود قانونيّة وسياسيّة تحد من قدرة المصرف على العمل باستقلاليّة. فحاكم مصرف لبنان ونوابه يعيّنون بمرسوم في مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير الماليّة. كما لا يتضمّن القانون أي إجراءات كافية لضمان تعيينات قائمة على الكفاءة والاستحقاق، فيما شروط العزل أو إنهاء الولاية ليست محصّنة بما يكفي ضد التدخّل السياسي.
ومن جهة أخرى، يرى التقرير أن القواعد المتعلّقة بتضارب المصالح تحتاج إلى تعزيز، إذ أن القانون لا يضع إطارًا شاملًا أو قويًا لمعالجة كل حالات تضارب المصالح، خصوصًا تلك التي قد تنشأ نتيجة مشاركة أعضاء المجلس المركزي في أنشطة أو علاقات خاصّة قد تؤثّر على حيادهم.
وفي الخلاصة، يعتبر التقرير أنّ استقلالية مصرف لبنان ليست مضمونة بشكل كافٍ، لأن الإطار القانوني الحالي يسمح بتأثير مباشر أو غير مباشر للسلطة التنفيذية، وخصوصًا وزارة المالية ومجلس الوزراء، على قرارات المصرف وتعييناته. لذلك يوصي ضمنيًا بضرورة تعديل القانون لتعزيز الاستقلالية، وضمان تعيينات أكثر شفافية، وتحصين المصرف من الضغوط السياسية.
آليّات اتخاذ القرار
يرى التقرير أنّ آليّات اتخاذ القرار داخل مصرف لبنان لا تنسجم مع أفضل الممارسات الدولية، لأن تركيبة المجلس المركزي وآلية عمله لا تضمنان توازنًا كافيًا في الصلاحيات أو رقابة فعّالة على قرارات الحاكم. ويلخّص التقرير هذه الثغرات على الشكل التالي:
أولًا، لا يتمتع المجلس المركزي باستقلالية كافية عن الحكومة. فإلى جانب الحاكم ونوابه، يضمّ المجلس مدير عام وزارة المالية، ومدير عام وزارة الاقتصاد، كعضوين من موظفي الإدارة العامّة. وبما أنّ قرارات المجلس تُتخذ بالأغلبية، يعتبر التقرير أنّ وجود ممثلين حكوميين قد يضعف استقلالية المصرف المركزي، خصوصًا في المسائل الحساسة المرتبطة بالسياسة النقدية والقطاع المالي.
ثانيًا، يلفت التقرير إلى أنّ القانون لا يمنح المجلس المركزي وظيفة رقابية واضحة على إدارة مصرف لبنان. فالمجلس يملك صلاحيات واسعة، لكنه لا يمارس دورًا شبيهًا بمجلس إدارة مستقل يراقب أداء الحاكم وإدارة المصرف التنفيذيّة. كما أن الحاكم نفسه يرأس المجلس المركزي، ما يخلق تداخلًا بين الجهة التي تقترح أو تنفّذ السياسات، والجهة التي يفترض أن تراقبها.
ثالثًا، ينتقد التقرير تركّز السلطة التنفيذية داخل المصرف بيد الحاكم. فالحاكم هو الذي يدير المصرف، ويمثّله قانونيًا، وينفّذ قرارات المجلس المركزي، كما يتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة العمليات اليومية. أما نواب الحاكم واللجنة الاستشارية فدورهم محدود، ولا يشكلون فعليًا مركزًا جماعيًا لاتخاذ القرار.
في خلاصة هذا القسم، يعتبر التقرير يعتبر أنّ المشكلة الأساسية هي غياب الفصل الواضح بين الإدارة التنفيذية والرقابة الداخلية داخل مصرف لبنان. فالحاكم يتمتع بموقع مهيمن داخل المصرف، والمجلس المركزي لا يملك وظيفة رقابية قوية ومستقلة، كما أن وجود ممثلين حكوميين داخله يضعف استقلاليته. لذلك يدفع التقرير باتجاه إصلاح هيكل اتخاذ القرار بما يعزز آليّات اتخاذ القرار الجماعيّة، ويحدّ من تركّز الصلاحيات، ويفصل بوضوح بين من يدير ومن يراقب.
آليّات المحاسبة
يركّز هذا القسم ضعف آليّات المحاسبة المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف. فالتقرير يرى أنّ الإطار القانوني الحالي يفتقر إلى قواعد واضحة حول الرقابة الداخلية، والتدقيق الخارجي، والإفصاح المالي، وآليات الإفصاح المالي أمام السلطات والجمهور.
يشير التقرير أولًا إلى أنّ القانون لا ينصّ بشكل واضح وكافٍ على وجود وظيفة تدقيق داخلي قوية ومستقلة داخل مصرف لبنان، ولا يحدّد بوضوح دور لجان الرقابة أو آليات متابعة المخاطر والامتثال. وهذا يعني أنّ بنية الرقابة الداخلية لا تبدو متينة بما يكفي لمراقبة القرارات والعمليات المالية الحساسة داخل المصرف.
ثانيًا، يلفت التقرير إلى أنّ التدقيق الخارجي في حسابات مصرف لبنان لا يرقى إلى المعايير الدولية الفضلى. فالمشكلة هنا لا تُحل بوجود مدقّقين خارجيين، بل تحتاج إلى إصلاح الإطار القانوني الذي ينظّم عملهم، ويضمن استقلاليتهم، ويوضّح صلاحياتهم، ويفرض إصدار تقارير موثوقة وشفافة.
ثالثًا، ينتقد التقرير ضعف الإفصاح والشفافية المالية. فهو يشير إلى أنّ البيانات المالية لمصرف لبنان لا يتم إعدادها بالكامل وفق معايير محاسبية معترف بها دوليًا، الأمر الذي قد يسمح بحجب أو عدم إظهار بعض الأنشطة المالية، وخصوصًا العمليات التي قد تحمل طابعًا غير تقليدي أو ترتبط بما يسمّيه التقرير “الهندسات الماليّة”.
كما يعتبر التقرير أنّ القانون لا يفرض نشر بيان مالي كامل ومدقّق وفق معايير دولية، ولا يوضح بصورة كافية ما إذا كانت كل التقارير الصادرة عن مصرف لبنان خاضعة للإفصاح والمحاسبة القانونية. لذلك يرى التقرير أنّ هناك حاجة إلى تعديل قانوني يعزّز متطلبات الشفافية، والتدقيق، والنشر، والمساءلة.
في النتيجة، يتّضح من مضمون تقرير صندوق النقد أنّ مصرف لبنان يحتاج إلى ورشة تشريعيّة شاملة، بهدف إعادة النظر بآليّات تعيين الحاكم ونوّابه، وإعادة توزيع الصلاحيّات داخل المجلس المركزي وفي إدارة المصرف نفسه. كما يلفت التقرير بوضوح إلى الحاجة لتعزيز استقلاليّة المصرف، من خلال مراجعة دور وزارة الماليّة في مراقبته، وفرض آليّات أوضح على عمليّات المراقبة والتدقيق والإفصاح من داخل إدارة مصرف لبنان.



