صادق مجلس شورى الدولة على ردّ مراجعة فندق السان جورج ضدّ «سوليدير»، في خطوة ستتيح بعد بلوغها المرحلة النهائية، إطلاق يد الشركة في السطو على مزيد من الأملاك البحرية العمومية
لم يجد مجلس شورى الدولة وقتاً أنسب من الحرب الإسرائيلية على لبنان حتى يعيد إحياء حلم «سوليدير» ببحر بيروت. ففيما يحتل العدو أراضيَ في الجنوب ويواصل التمدّد نحو الشمال، تستخدم الشركة القضاء لتتمدّد هي الأخرى، عبر احتلال أجزاء إضافية من الأملاك البحرية العمومية.
و«سوليدير» هذه التي ابتلعت وسط بيروت وهجّرت البيارتة، ثم ردمت بحرهم وخنقت مدينتهم، باتت منذ مدة في قبضة رئيس مجلس إدارة بنك «سوسييتيه جنرال» أنطون الصحناوي، الذي جاء بزياد أبو جمرة، أحد المحسوبين عليه، مديراً عاماً للشركة. ووفقاً للمعلومات، يمتلك الصحناوي أكثر من 40% من أسهم الشركة، إضافة إلى تفويض كامل من قبل 20% من المساهمين بالتصرف في أسهمهم، ما جعله يمسك بمفاتيح «سوليدير».
هكذا، عادت «الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط بيروت» (سوليدير) إلى الواجهة، بما تمثّله من تقاطع للنخب السياسية وأصحاب رأس المال، في وقت تدّعي السلطة السياسية الجديدة أنها تعيد بناء الدولة والقضاء بأدوات مختلفة عن سابقاتها. لا بل علمت «الأخبار» أن حكومة الرئيس نواف سلام تبحث في «تكريم» الصحناوي عبر إصدار مرسوم لتمديد المدة المحدّدة للشركة إلى ما بعد عام 2029، بحجة أن الشركات المستثمرة لا تخاطر بتوظيف أموالها إذا كان العمر المتبقّي لـ«سوليدير» لا يتعدّى الثلاث سنوات، ما يجعل التمديد لها أمراً مُحتّماً للحفاظ على أرباحها وامتيازاتها.
يُذكر، في هذا الصدد، أن القاضية ريتا كرم سبق أن أصدرت تقريراً يرى وجوب إيقاف الشركة والتقيّد بعمرها الذي يفترض أن يكون قد انتهى عام 2019 (راجع «الأخبار» الجمعة 6 تشرين الثاني 2020). غير أن رئيس مجلس الشورى السابق فادي الياس طلب تنحيتها وسحب الملف منها، قبل تحويله إلى مجلس القضايا. وها هو مجلس الشورى الحالي يُكمِل مهمة الياس بإنهاء كل الطعون ضدّ «سوليدير»، ليتيح لها التعدّي قانوناً على ما تبقّى من البحر.
ففي عام 2007، أصدرت حكومة فؤاد السنيورة مرسوماً أتاح للشركة تجاوز مهامها، لتصبح قادرة على القيام بخدمات وأعمال استشارية وهندسية وتطويرية في كلّ المجالات العقارية، بما فيها ترتيب المناطق والمدن وتطويرها داخل لبنان وخارجه، والقيام بالعمليات المالية المتعلّقة بذلك. وهو ما جعلها قادرة على التوسّع في طبيعة أعمالها من دون أي رادع، بل بغطاء رسمي من الدولة وكل مؤسساتها وأجهزتها القضائية.
على هذا المنوال، نُشرت مطالعة لمفوّض الحكومة لدى مجلس الشورى القاضية فريال دلول في الجريدة الرسمية الجمعة الماضي، قضت بالمصادقة على تقرير رئيس الغرفة المقرّر ميراي داود القاضي بردّ المراجعة المُقدّمة من صاحب منتجع السان جورج، فادي خوري، عبر «شركة الفنادق الكبرى للشرق ش.م.ل» و«شركة سوسيتي دي بان دومير ش.م.ل» ضد الدولة و«سوليدير» بحجة انتفاء صفة ومصلحة الجهة المستدعية في تقديمها.
قرار «الشورى» المُستغرب في توقيته وأسبابه، يمنح «سوليدير» شيكاً على بياض لمتابعة قتل ما تبقّى من متنفّسٍ للمدينة. والمشروع هذا ليس جديداً، بل يعود إلى التسعينيات، حين أجازت الدولة للشركة سرقة عقارات المواطنين في وسط بيروت، وتسبّبت بتهجير 20 ألف عائلة بيروتية، ثم سمحت لها بتجاوز المهام المُنشأة لأجلها من أجل التوسّع إلى خارج حدودها باتجاه البحر.
غير أن خوري تمكّن من إيقافها عبر مجموعة طعون تقدّم بها، خصوصاً المراسيم الصادرة تباعاً، وأتاح سَوق «سوليدير» ومالكيها إلى المحكمة، قبل أن تتواطأ السلطتان التنفيذية والقضائية على إسقاط تلك الطعون الواحد تلو الآخر. واليوم، بعد صدور هذه المطالعة، يُنتظر مرور المهلة التي يمنحها القانون للجهتين المستدعية والمُدّعى عليها للتعليق على القرار، قبل رفع الأمر إلى رئيس المحكمة، وهي داود نفسها. وهو ما يقود إلى الاستنتاج بأن الأخيرة لن تُصدِر قراراً مخالفاً لقرارها السابق، وستؤكد على إسقاط صفة المصلحة عن «السان جورج»، بما يتيح لـ«سوليدير» التحرّر والجثوم مجدّداً على صدور البيارتة وبحرهم، بتأييد ضمني من رئيس الحكومة البيروتي!
ماذا تضمّن القرار؟
سبق لصاحب فندق السان جورج أن تقدّم بمراجعة لدى مجلس الشورى في عام 2003 طلب فيها إبطال المرسوم 11259 المتعلّق بتعديلات على نظام وترتيب منطقة وسط بيروت التجاري الذي يتيح لـ«سوليدير» التصرّف ببعض العقارات ومنها العقاران 1428 و1433 الواقعان ناحية البحر، في وجه فندق السان جورج، والمتصلان اتصالاً وثيقاً ومباشراً بالأملاك العمومية البحرية الواقعة في المرفأ السياحي الغربي لمدينة بيروت. وهو الجزء الشبه الوحيد الذي لا يزال «غير محتل»، مع سطو «الزيتونة باي» على طول الكورنيش البحري، إضافةً إلى التعدّيات الأخرى. استطاع خوري إيقاف تنفيذ المرسوم منذ صدوره عبر الطعن فيه بسبب افتقاده إلى سند قانوني ضروري، وهو صدوره عبر مجلس الوزراء حتى يُعتبر نافذاً، ولاستناده أيضاً إلى المرسوم 5714 المطعون فيه، علماً أن إبطاله يؤدّي إلى إبطالهما معاً.
نامت المراجعة في أدراج القضاء، إلى أن صدر تقرير عن المستشار المُقرّر في عام 2020 قضى بإعادة فتح المحاكمة من دون أي طارئ يبرّرها، في مخالفة واضحة لنظام مجلس الشورى. نام الملف مجدّداً، قبل استفاقة «الشورى» عليه اليوم لأسباب مجهولة، ربما تتصل بتحريك الصحناوي له، مستفيداً من نفوذه الأميركي – الصهيوني، للضغط على الأجهزة القضائية والسلطة السياسية، وإجبارها على الحكم لصالح «سوليدير».
وأشارت داود في تقريرها إلى أن مجلس الشورى لا يقبل الإبطال بسبب تجاوز حدّ السلطة، إلّا ممن يثبت أن له مصلحة شخصية مباشرة ومشروعة في إبطال القرار، واضعةً في يدها تحديد ماهية المصلحة الشخصية. وأقرّت ضمنياً أنه حتى لو أن «المرسوم المطعون فيه وُضع لتحقيق منفعة شخصية لسوليدير، فليس من شأن المراجعة المُقدّمة من السان جورج أن تجعلها صاحبة صفة».
وبناءً على ما سمّته داود «انتفاء صفة ومصلحة المستدعية»، قرّرت ردّ المراجعة شكلاً وتضمين الجهة المستدعية الرسوم والنفقات كافة. فما لم تتمكّن أن تنتزعه «سوليدير» على مرّ السنوات بالتعدّي والاستيلاء على «السان جورج» والأملاك البحرية العمومية المتاخمة له وتنظيف سجلّها القضائي رغم كل نفوذها وامتداداتها، تفعله اليوم قاضيتان في مجلس الشورى بشحطة قلم عبر إزاحة الجهة الوحيدة القادرة على الاعتراض قضائياً. وكأنّ الأموال الخاصة والعامة المنهوبة من قبل «سوليدير» لم تُشبِع جشع الشركة، فصمّم المالك الجديد أنطون الصحناوي على نهب ما تبقّى من بيروت بدءاً بالمنطقة الغربية ومرفأ السفن وصولاً إلى «الجامعة الأميركية»، وذلك بعد أن نهب مصرفه أموال المودعين وجنى أعمارهم.
إلى ذلك، تقدّمت شركتا «الفنادق الكبرى للشرق ش.م.ل» و«سوسييتي دي بان دو مير ش.م.ل» المُمثّلتان برئيسَي مجلسَي إدارتيهما فادي وكريم الخوري أول من أمس، بإخبار إلى النيابة العامة المالية بوجه شركة «سوليدير»، على خلفية إشغالها المخالف للقانون، جرّاء العقد بينها وبين الدولة اللبنانية لاستثمار المرفأين السياحيين الشرقي والغربي في بيروت.
ويستند أساس الإخبار إلى ضرورة «وضع حدّ لهدر المال العام المستمر والمتفاقم والناجم عن إشغال شركة سوليدير واستثمارها مساحات تعود ملكيتها إلى الدولة، ما دام الإشغال حاصلاً بموجب عقد غير مُستوفٍ للشروط القانونية وبحكم غير الموجود، ولا سيما أن البدلات أقلّ بكثير ممّا يجب أن تكون، وذلك حفاظاً على المال العام». وطلبت الشركتان استدعاء رئيس مجلس إدارة «سوليدير»، والوزراء المتعاقبين على وزارة المالية والأشغال والسياحة الذين واكبوا القضية، دون أن يحرّكوا ساكناً بشأنها، فخسرت الخزينة جرّاء تقاعسهم مبالغ طائلة تفوق المليارات.



