الرئيسية اقتصاد لبنان شركات الترابة وذريعة إعمار الجنوب: الحجر “سيأكل” البشر؟

شركات الترابة وذريعة إعمار الجنوب: الحجر “سيأكل” البشر؟

يطغى الحديث عمّا يدور في الجنوب اليوم، على أي حديث آخر. فلا أولوية تفوق وقف الحرب وإعادة الإعمار لضمان عودة النازحين إلى بيوتهم بالصورة اللائقة. ومن الضروري في هذا المسار، إشراك الصناعات الوطنية في تمهيد الطريق لإعادة الإعمار، الأمر الذي يضمن تنشيط هذه الصناعات من الناحية الاقتصادية، وترك بصمتها في محو آثار العدوان، من الناحية المعنوية. ومن تلك الصناعات، صناعة الترابة أو الإسمنت، وهي إحدى المواد الأساسية التي تتّكىء عليها عملية إعادة الإعمار. لكنّ شركات صناعة الترابة اللبنانية التي تريد دخول ميدان إعادة الإعمار من باب تعزيز قطاع الصناعة، لا تضمن في المقابل الأمن البيئي والصحي والالتزام بالحفاظ على المال العام وحقوق المستهلكين، أي الذين يريدون إعمار منازلهم، وفق ما يؤكّده المعترضون على قرار مجلس الوزراء الذي يسمح لشركات الترابة استكمال العمل في المقالع. فهل يكون الإعمار سبباً للتدمير؟ ومَن يضمن الالتزام بالمعايير والضوابط؟

رفض المقالع

أقرّ مجلس الوزراء في جلسة التاسع من نيسان الماضي “إعطاء الموافقات المطلوبة لتمكين شركات مقالع الإسمنت والترابة من العمل”. لكن الشركات ما زالت “تنتظر إذن المجلس الوطني للمقالع وقرار وزارة البيئة”، وفق ما أكّده المدير العام لشركة الترابة الوطنية (السبع) جليل درزي، الذي أشار في حديث لـ”المدن” إلى أنّ “الشركات ملتزمة بالمعايير البيئية، ومن الجيّد أنّ وزارة البيئة ستراقب مدى الالتزام”.

الكلمة الفصل لم تُنطَق بعد، لكنّ الطريق مُهِّدَ لها بقرار مجلس الوزراء الذي ينظر إليه المعترضون على إعادة العمل بالمقالع، على أنّه الضوء الأخضر الذي أعطته السلطة لشركات الترابة لاستئناف عملها في المقالع. ومع ذلك، رأى درزي أنّ الاحتكام للتجربة السابقة لا يمكن أن يكون نهاية القصّة. فالشركات بنظره “تريد استعادة ثقة الأهالي والجمعيات البيئية من خلال التجربة والعمل على الأرض وليس بالكلام فقط”. ودعا إلى “الاستماع لوجهة النظر الأخرى”.

يجزم المعترضون على “مقالع الموت” كما سمّوها خلال عقود، أنّ الصفحة الجديدة التي يروّج لها أصحاب الشركات، لن تُفتَح. وأكّدت مديرة مركز حفظ البيئة في الجامعة الأميركية في بيروت، النائبة نجاة عون، أنّ “تاريخ شركات الترابة غير مطمئن بما يتعلّق بالالتزام بالمعايير البيئية. إذ كان عليهم الالتزام بالمعايير منذ زمن، ولم يجرِ ذلك”. وأوضحت في حديث لـِ “المدن” أنّ “الكثير من التقارير والدراسات والشروط التي يفرضها القانون، كان يجب عليهم إعدادها والالتزام بها ولم يفعلوا ذلك، ومنها التقارير السنوية عن الانبعاثات”.

علماً أنّ العمل على تقليل الانبعاثات، يستوجب من الشركات، وفق عون، “تنفيذ الحزام الأخضر”. أي تجهيز الأرض في المقالع على شكل جلول ويتم زرعها بالأشجار “كي لا نخسر الثروة الحرجية والمائية”. كما أنّ “الشركات تعمل على حفر الجبال بطريقة مشوّهة ولا تلتزم باعتماد الجلول”.

في الوقت نفسه، لم تنتظر الجمعيات البيئية قرار وزارة البيئة والمجلس الوطني للمقالع، لأنّ النتيجة صدرت مسبقاً عبر موافقة مجلس الوزراء، والتي تعتبرها الجمعيات البيئية الضوء الأخضر النهائي لإعادة فتح المقالع، وإن كان الملف ينتظر “شكلياً” في الوقت الراهن، موقف الوزارة والمجلس الوطني.

ولذلك، تصرّ لجنة كفرحزير البيئية على “رفضها المطلق لإعادة تشغيل مقالع شركات الترابة في أي من قرى الكورة، ولا سيما في أراضي بدبهون المحمية الواقعة فوق المياه الجوفية، وأراضي كفرحزير المصنفة بالكامل أراضي بناء فلل وقصور”، وفق ما جاء في كتاب وجّهته إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون وإلى الوزراء المعنيين. وأكّدت فيه أنّ المقالع “تسبّبت بالضرر الهائل للينابيع وبساتين الزيتون ومجرى نهر العصفور، وأدّت إلى انتشار الوفيات والإصابات بالسرطان وأمراض القلب والأمراض الصدرية بشكل خطير”. واعتبرت أنَّ “حكومة نواف سلام شرّعت هذه الجريمة”. واصفةً قرار إعادة تشغيل المقالع بأنّه “جريمة حرب بحق من تبقى في شكا وكفرحزير وبدبهون والكورة”.

إعادة إعمار الجنوب

لا ترتبط المسألة فقط بالمعايير البيئية التي أكّدت شركات الترابة على الالتزام بها في معرض مطالبتها بإعادة فتح المقالع. بل ذهبت الشركات نحو إعادة إعمار الجنوب، إذ شكّلت مدخلاً للتحذير من نقص الترابة في السوق، في حال توقّفت الحرب وبدأت عملية الإعمار قبل استكمال الشركات تصنيع الكميات الكافية من الترابة. وبحسب درزي “علينا إعادة تشغيل المقالع والشركات لأنها الطريقة الوحيدة للعمل المستدام ولتصحيح الأسعار وتصحيح العرض والطلب في السوق”. مشيراً إلى أنَّ “اليوم هناك شركة واحدة تعمل وتؤمّن 25 بالمئة من طلب السوق”.

بالتوازي، وكما لا يستسيغ المعارضون لقرار إعادة العمل بالمقالع، ولا بوعود الالتزام بالقوانين والمعايير البيئية، لا تستسيغ عون ذريعة التحضير لإعادة إعمار الجنوب، ولا ترى أنّها تصلح لتكون مدخلاً للتنازل وإعادة فتح المقالع. وإذا كان الجنوب هو الهدف، فيمكن برأي عون “فتح الباب أمام استيراد الترابة ووقف احتكار وجودها في السوق من قبل الشركات والمتموّلين المدعومين من السلطة، والذين يتذرّعون بإعادة إعمار الجنوب أو المشاركة بإعادة إعمار سوريا، في حين أنّ هدفهم الأساس هو الاستفادة من إعادة الإعمار في سوريا ولبنان”. واعتبرت عون أنّ “الاستيراد يساهم في توسيع هامش المنافسة وخفض الأسعار”. علماً أنّ “خفض الأسعار مطلوب خلال مرحلة إعادة الإعمار لأنّه وفق ما نراه، لن يكون هناك أموال كثيرة لإعادة الإعمار”. ولفتت عون النظر في هذا المجال إلى أنَّ “سوريا أكبر بكثير من لبنان ولديها جبال جرداء وفتحت باب الاستيراد”.

القرار النهائي

تضمّ قرى الشمال اللبناني أبرز المقالع التي تعتمد عليها شركات الترابة في صناعة الإسمنت. ويمكن بالعين المجرّدة رؤية ما باتت عليه الجبال هناك. واليوم، يُنظَر إلى جبال الشمال بوصفها الحجر الأساس لإعادة إعمار ما تهدمه الحرب في الجنوب. ووفق هذه المقاربة، فإنَّ إعادة إعمار جهةٍ ستتمّ عبر هدم جهة أخرى. ووسط التأييد والرفض، تنتظر هذه الخطوة قرار وزارة البيئة والمجلس الوطني للمقالع الذي تنظر إليه الشركات بوصفه مدخلاً لإنقاذها، ولـِ “العمل من أجل إنجاح الصناعة الوطنية”، وفق درزي. ويرى المعارضون أنّه سيساهم في “التهجير الممنهج لأهالي القرى، ومنهم أهالي قرية بدبهون التي هُجّر 80 بالمئة من أهلها بسبب المقالع، واليوم يريدون استكمال أكلها”، وفق عون التي لا ترى بأنّ قرار الوزارة والمجلس الوطني سيأتي مخالفاً لقرار مجلس الوزراء.

تسليط الضوء على ملفّ فتح المقالع، يأتي هذه المرّة من بوابة الجنوب. لكنّه حتى الأمس القريب، جاء من بوابة الحفاظ على “أكثر من 580 فرصة عمل مباشرة و1800 فرصة عمل غير مباشرة من اليد العاملة اللبنانية”. وفق ما جاء في بيان أعلنت خلاله شركة الترابة الوطنية ش.م.ل. (إسمنت السبع) أنّها “تجد نفسها وبكل أسف مرغمةً، بعد أكثر من سبعين عاماً من العمل والإنتاج بخدمة الاقتصاد اللبناني، على توقف عمليات تصنيع وتسليم الإسمنت والطلب من عمالها ملازمة منازلهم”. وذلك بفعل تكبّدها “خلال السنوات الأخيرة، خسائر باهظة نتيجة توقفها القسري عن استثمار مقالعها، تبعاً لامتناع الجهات الرسمية المختصة عن إعطائها التراخيص اللازمة”. وتالياً، يُنظَر إلى ملف المقالع والذرائع الممهّدة لإعادة افتتاحها، وكأنّ الأولوية باتت للحجر على حساب البشر.

مصدرالمدن - خضر حسان
المادة السابقةفي زمن الحرب الاقتصاد الأميركي يواجه معادلة معقّدة
المقالة القادمةتدمير الثقة والرؤية أخطر من الأزمة الإقتصادية